التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قطاع التأمين.. والخطر القادم - فضل بن سعد البوعينين

بعد انهيار سوق الأسهم عام 2006، ظن الجميع أن تجربة الانهيار القاسية أعطت المتداولين والمستثمرين والجهات الإشرافية، دروسا لا تنسى في أهمية حماية السوق من التدليس، وتجنيبها المخاطر المدمرة، وتحييد الأسهم الخاسرة، وعدم السماح بتحولها إلى أوعية مضاربية يستغلها البعض لتحقيق الأرباح السريعة. يعتمد كثير من كبار المضاربين على حافز الطمع لدى رواد السوق لتحقيق أهدافهم الربحية، فهم لا يقبلون المشاركة في الربحية ولا يؤمنون بها، بل يؤمنون بالسيطرة الكلية على السهم، والخروج منه بثروات طائلة، تاركين الآخرين على بساط الفقر، والعياذ بالله.

سوق المال ليست المكان المناسبة لمن يُحسن الظن بالآخرين، فهي أشبه بالمحيط الهائج المليء بالأسماك الضخمة والأسماك الصغيرة، الباحثة عن الغذاء. تدفعهم غريزة البقاء، لالتهام بعضهم بعضا، والغلبة دائما للأسماك الضخمة. لدى بعض أسماك المحيطات الكبيرة، وسيلة تقليدية لاصطياد غذائها اليومي، حيث تفتح فمها بشكل واسع فتسارع الأسماك الصغيرة للدخول فيه بحثاً عن العوالق والفطريات، فتتحول في لحظات إلى فريسة لها. يحدث أن تهرب سمكة من مؤخرة المجموعة الداخلة، وتعود إلى مياه البحر بدلا من جوف السمكة الكبيرة، فتكتب لها الحياة. إلا أنها تعود لتكرار فعلتها الأولى وكأنها لم تمر بتجربة الموت من قبل!. عند مراقبة قطاع التأمين نجد أن فلسفة الاصطياد التقليدية تطبق فيه بفاعلية، تضمن النجاح دائماً، وللأمانة، فهي مطبقة أيضا في بعض أسهم المضاربة الأخرى.

الخسائر المتراكمة في كثير من شركات التأمين لم تمنع الباحثين عن الثراء السريع من المضاربة على أسهمها المسمومة طمعا في الربح السريع. انهيار عام 2006 يتكرر حدوثه في قطاع التأمين، إلا أنه يتخفى دائما بين أسهم القطاع و القطاعات الأخرى، فيكون تأثيره على السوق محدودا، و مُدمراً، في الوقت عينه، على صغار المتداولين. التفتت هيئة السوق المالية فجأة لمخاطر سهم «وقاية للتأمين» بعد أن أيقظتها مؤسسة النقد العربي السعودي، من سباتها العميق. تحذيرات «ساما» جاءت متأخرة أيضاً، وبعد أن تآكل رأس مال الشركة، وتجاوزت نسبة الخسائر المتراكمة 97 في المائة من رأس المال.

سارعت هيئة السوق لتعليق سهم «وقاية» عن التداول، وكأنها انتظرت الحصول على دعم خارجي، ومساند من أجل تنفيذ القرار. يعتقد بعض المؤمنين بنظرية المؤامرة أن التعليق المتأخر أعطى فرصة ذهبية لأسماك السوق الكبيرة للخروج من موقع الحدث، وأن قرار التعليق، برغم أهميته ونظاميته، جاء متأخرا جدا وبعد «خراب مالطا»، فالحماية وعدالة التداول ربما غابا عن مشهد «وقاية» لأسباب خارجة عن النص. وقاية للتأمين، تحولت إلى (فايروس) مسموم تسبب في انهيار محافظ المستثمرين فيها. «وقاية» ليست الوحيدة في السوق، ولن تكون الأخيرة قطعاً، لذا أنصح «ساما» و»الهيئة» بفحص دقيق لشركات التأمين من أجل حماية سوقي التأمين والتداول، والمستثمرين والقطاع المالي الذي يمكن أن يتأثر بشكل دراماتيكي في حال تعثر بعض شركات التأمين عن الوفاء بإلتزاماتها المالية مستقبلاً. لا أرغب في تكرار ما ذكرته منذ إنشاء شركات التأمين الضعيفة، لذا أقفز إلى الإجراءات الواجب اتباعها اليوم، وهي إجراءات أشرت لها قبل أكثر من أربعة أعوام. 

لا مفر من اندماج شركات التأمين الحالية، إذا ما أردنا أن نحصل على كيانات قوية قادرة على التعامل بكفاءة مع سوق التأمين الوليدة. ولا مفر من رفع الحد الأدنى لرأس مال شركات التأمين الجديدة لضمان جودة خدماتها المقدمة. ولا مناص أيضاً من وقف تجاوزات مجالس الإدارة، في إدارتهم لأحد أهم القطاعات المالية، وتشديد الرقابة على أداء الشركات، وإعادة هيكلة القطاع، مستفيدين من الخبرات العالمية الناجحة، وخلق سوق تأمينية متطورة تقوم على أسس متينة من الجودة الإدارية، الكفاءة، الملاءة المالية، والربحية. يوشك أن يطبق قطاع التأمين على سوق المال السعودية، مسببا أضرارا فادحة للسوق، وللقطاع المالي بشكل عام. ارتباط بعض شركات التأمين بالمصارف السعودية قد يتسبب في الإضرار بالقطاع المصرفي، وقد يتسبب في نزع ثقة المودعين بالمصارف المرتبطة بتلك الشركات.

خطر قطاع التأمين أكبر مما يعتقده المختصون، لا العامة، والإمعان في تركه مسرحا لعبث العابثين قد يُحَمِّل، النظام المالي، و الاقتصاد الوطني خسائر فادحة يصعب معالجتها مستقبلا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عشرون كتاب في مجال إدارة الأخطار - تحميل مجاني

مرفق قائمة بعشرين كتاب تعالج موضوع إدارة الأخطار, يمكن الإطلاع وتحميل هذه الكتب بدون تسجيل وبمجرد الضغط على الرابط, يرجى ممن يرغب بنشر أي كتاب أو رسالة ماجستير او دكتوراه خاصة به مراسلتي على بريدي الإلكتروني. كتاب إدارة الأخطار – الجزء الأول – أ. د سامي نجيب – ( رابط ) كتاب إدارة الأخطار – الجزء الثاني – أ. د سامي نجيب ( رابط ) كتاب إدارة الخطر – إعداد حسين العجمي, نادر المنديل , يوسف درويش -  ( رابط ) كتاب إدارة الخطر والتأمين – د. ممدوح حمزة احمد , د. ناهد عبدالحميد -  ( رابط ) كتاب إدارة الخطر والتأمين التجاري والإجتماعي – د. محمد وحيد عبدالباري - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر المالية – د. خالد وهيب الراوي - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر في البورصات – د. عصام عبدالغني - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر المالية في الشركات المساهمة المصري – إعداد محمد علي محمد علي - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر وإستراتيجة التأمين في ظل تكنولوجيا المعلومات – د. كاسر نصر المنصور - ( رابط ) كتاب إدارة مخاطر مرحلة التشييد لمشاريع التشييد في سوريا – م. منى حمادة, د. محمد نايفة, د. عمر عامودي

ماذا تعرف عن شهادة إدارة المخاطر المهنية الإحترافية RMP-PMI - بقلم أحمد الحريري

مقدمة تعريفية عن (معهد إدارة المشاريع PMI ) الذي يقدم شهادة إدارة المخاطر الإحترافية معهد إدارة المشاريع PMI هو مؤسسة أمريكية رائدة تعنى بإدارة المشاريع وبتقديم معايير لإدارة المشاريع عالمياً وهي مؤسسة غير ربحية تأسست في عام 1969 لديها أكثر من 2.9 مليون عضو حول العالم, عدد من انضم للمعهد في عام 2012 لوحده بلغ 148,948 عضو. في عام 1984 أصدر المعهد أول شهاداته وهي شهادة إدارة المشاريع الإحترافية PMP ونالت شهرة غير عادية و مع الوقت أصدر شهادات اخرى أخذت مكانة مميزة في سوق العمل حول العالم وهي كالتالي : 1.     شهادة إدارة المشاريع الإحترافية  ( PMP )® 2.     شهادة زمالة في إدارة المشاريع    ( CAPM )® 3.     برنامج الإدارة الإحترافية       ( PgMP )® 4.     شهادة مهنية في إدارة المحافظ     PfMP 5.     شهادة ممارس                   ( PMI-ACP )® 6.     شهادة محترف في إدارة المخاطر  ( PMI-RMP )® 7.     شهادة مهنية في جدولة المشاريع   ( PMI-SP )® 8.     شهادة مهنية إحترافية  (   OPM3 ® الشهادات الصادرة من المؤسسة تحتل المراتب الأولى من حيث أهمية الشهادات المهنية التي ت

ما الفرق بين التضامن والتضامم في القانون المدني ؟؟

ما الفرق بين التضامن والتضامم في القانون المدني ؟؟ التضامم يكون نتيجة تعدد مصدر الدين ووحدة محله - فتجوز مطالبة أي مدين بكل الدين ولكن في نفس الوقت لا يجوز لمن وفى الدين الرجوع بما دفعه على مدين آخر به لأنعدام الرابطة بينهما مثلا : كفل أحمد دين سعد المستحق لمحمود يمقتضى عقد كفالة  ، ثم كفل إبراهيم دين سعد لدى محمود أيضا بعقد كفالة آخر.. هنا يجوز لمحمود الرجوع على أحمد (الكفيل الأول) أو  إبراهيم (الكفيل الثانى) اذا لم يدفع سعد (المكفول) ، ولكن لا يستطيع أى من الكفيلين الرجوع على الآخر بما وفاه أما التضامن : يستلزم وحدة الدين ووحدة السبب ، ومن ثم فهو لا يفترض ويجب رده إلى نص قانوني أو اتفاق صريح أو ضمني في عقد ما مثال : إذا كفل كل من أحمد وإبراهيم دين سعد المستحق لمحمود بمقتضى عقد كفالة واحد وقام محمود بالرجوع على أى الكفيلين بكامل الدين ، جاز للكفيل الرجوع على الكفيل الآخر بنصيبه فى الدين المكفول