التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأمين التعاوني بديل إسلامي جيد - د.سيدي يحيى ولد عبد الوهاب

التأمين التعاوني هو اشتراك مجموعة من الناس في إنشاء صندوق يتم تمويله بقسط محدد يدفعه كل واحد منهم ،ويأخذ كل مشترك في هذا الصندوق نصيبا إذا أصابه حادث معين ،وحديث الأشعريين الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله أنه صلى الله عليه وسلم قال :"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم". يصلح للاستئناس في جواز هذا النوع من التعامل ، وقد قال ابن بطال المالكي إن للسلطان أن يأمر الناس بالمواساة ويجبرهم على ذلك ،ومما هو معروف أن عمر رضي الله عنه في خلافته عمم نظام العواقل حتى شمل أهل الديوان الواحد بعدما ضعفت العصبية وأصبح لمنسوبي الديوان نوع عصبية وتضامن ،وإلى فعله رضي الله عنه ذهب أبو حنيفة وهو المروي عن مالك في العتبية والموازية ونحوه لابن شاس وابن الحاجب ومشى عليه خليل في مختصره حيث قال: ( وبدئ بالديوان إن أعطوا ) .


فهذا التأمين إذا بديل إسلامي يلجم ألسنة الذين يبيحون التأمين جملة دون ضوابط شرعية ،والذين يقولون لا غنى عن شركات التأمين التي أصبحت ضرورة دون النظر لنشاطها ونظام تعاملها واستغلالها للأموال .
فالفرق بين هذا النوع من التأمين التعاوني (التكافلي) وبين التأمين التجاري (التقليدي ) أن الأموال المجتمعة من الأقساط تبقى ملكا للجميع بدل أن تؤول إلى أصحاب الشركة ,فهو بهذا نوع من أنواع التكافل المحصن ،ولكنه تكافل منظم بدل أن يكون متروكا للظروف .
وكل مشترك في التأمين التعاوني يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين .
ولا يريد المشترك تحقيق ربح من إسهامه في هذا المجال وإنما يبتغي الأجر والثواب عند الله تعالى بسبب مواساة أخيه المؤمن ,أو المواطن المقيم معه في المجتمع الإسلامي .
وعلى هذا يرى د.الزحيلي أنه يجوز إنشاء شركة تأمين تعاوني لتحقيق مصالح الناس على أن يكون التعاون فيها ظاهرا بالنص صراحة في عقد التأمين على أن المبلغ الذي يدفعه المشترك يكون تبرعا منه للشركة ولا مانع من كون التبرعات بأقساط دورية ، وعقد التبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رحمه الله .
وليس في هذا التأمين عيوب أومفاسد التأمين التجاري من مخاطرة أو غرر أو جهالة أو قمار أو ربا ،حيث لا تستغل الأقساط في نشاط أو تعامل ربوي ،وإنما تستثمر في وجوه مشروعة نفعها أو ربحها للمشتركين في التأمين.
إنه بهذه الصورة يكون مظهرا من مظاهر التكافل والتعاون الذي حث عليه الإسلام دون تفريق بين غني قادر وفقير محتاج ،فكل واحد يعوض بقدر ما أصابه من ضرر ،وليس بقدر ما دفع من مال كما تفعل شركات التأمين.
ومن خصائص هذا التأمين التكافلي أنه يحقق التعاون بالمعنى الصحيح القائم على التبرع المحض والتضحية وإفادة جميع المشتركين ،إذ يكون كل واحد منهم مؤمنا ومستأمنا (مؤمنا له) ،إضافة إلى أنه ترجمة واقعية عملية لمبدإ التكافل والتضامن ،حيث تغطى المخاطر ،وترمم الأضرار إما مطلقا أو ضمن حدود معينة ،وبما أن كل واحد من أسرة التأمين التعاوني مومِّن ومؤمَّن له في نفس الوقت فيحتم ذلك أن تكون الاشتراكات المطلوبة من المنتسبين عرضة للزيادة وللنقص تبعا للمخاطر أوالحوادث السنوية نوعا وكما (اسماعيل عبد الفتاح- التأمين .. مفهومه- نشأته – حكمه ص 135 ).
إن الهدف من التأمين التعاوني هو كفالة أعضائه ورفع الضرر عنهم لأنه لا يهدف إلى تحقيق ربح للمشتركين فيه ولا يهدف لتحقيق ثراء لهم ،بل مجرد رفع الضرر اللاحق بهم ،وإذا لم يمكن أن يكون شاملا لكل الحالات فلا بأس أن يشمل بعضها ،لأن الضرر يزال ما أمكن.
وإذا تعذر وجود جهة ترعى كل جوانب التكافل كبيت مال المسلمين في العصور الإسلامية المزدهرة فإن فكرة التأمين التعاوني يمكن أن تكون بيت مال مصغر لمجموعة من المسلمين ترعى بعض جوانب التكافل الأكثر ضرورة عندهم ، كأن يتفق بعض أصحاب السيارات على التأمين التعاوني فيما بينهم ،ويمكن أن يتعاقد بعض التجار على نوع من التأمين التعاوني أيضا ( نفس المصدر السابق ص 136) .وهو بديل لا يتعارض مع القوانين المدنية القائمة ،ولا يتعارض مع أحكام الإسلام في التكافل ،ويمكن الأخذ به باطمئنان عند عدم قيام الزكاة بترميم الأضرار والوفاء بالتكافل . وتوجد الآن صور واقعية مصغرة للتأمين التعاوني في بعض البلاد الإسلامية كتلك التي تقوم بها بعض النقابات المهنية في مصر مثل نقابة عمال التشييد والبناء ونقابة السائقين ونقابة الأطباء ... وغيرها ،وذلك بأخذ مبلغ رمزي دوري من كل عضو على سبيل التبرع ،ومن ثم يكون النفع عاما للمجموعة ،وهذه الصور من التأمين التعاوني – وإن كانت لا تزال محدودة الأثر ضيقة النطاق –تحتاج إلى تفعيل وتعميم لتكون مظلة تظلل كل من يعيش على أرض الإسلام ،لتكون بديلا تعاونيا تكافليا تضامنيا إسلاميا بدل الارتماء في أحضان التأمين التجاري المحرم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عشرون كتاب في مجال إدارة الأخطار - تحميل مجاني

مرفق قائمة بعشرين كتاب تعالج موضوع إدارة الأخطار, يمكن الإطلاع وتحميل هذه الكتب بدون تسجيل وبمجرد الضغط على الرابط, يرجى ممن يرغب بنشر أي كتاب أو رسالة ماجستير او دكتوراه خاصة به مراسلتي على بريدي الإلكتروني. كتاب إدارة الأخطار – الجزء الأول – أ. د سامي نجيب – ( رابط ) كتاب إدارة الأخطار – الجزء الثاني – أ. د سامي نجيب ( رابط ) كتاب إدارة الخطر – إعداد حسين العجمي, نادر المنديل , يوسف درويش -  ( رابط ) كتاب إدارة الخطر والتأمين – د. ممدوح حمزة احمد , د. ناهد عبدالحميد -  ( رابط ) كتاب إدارة الخطر والتأمين التجاري والإجتماعي – د. محمد وحيد عبدالباري - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر المالية – د. خالد وهيب الراوي - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر في البورصات – د. عصام عبدالغني - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر المالية في الشركات المساهمة المصري – إعداد محمد علي محمد علي - ( رابط ) كتاب إدارة المخاطر وإستراتيجة التأمين في ظل تكنولوجيا المعلومات – د. كاسر نصر المنصور - ( رابط ) كتاب إدارة مخاطر مرحلة التشييد لمشاريع التشييد في سوريا – م. منى حمادة, د. محمد نايفة, د. عمر عامودي

ماذا تعرف عن شهادة إدارة المخاطر المهنية الإحترافية RMP-PMI - بقلم أحمد الحريري

مقدمة تعريفية عن (معهد إدارة المشاريع PMI ) الذي يقدم شهادة إدارة المخاطر الإحترافية معهد إدارة المشاريع PMI هو مؤسسة أمريكية رائدة تعنى بإدارة المشاريع وبتقديم معايير لإدارة المشاريع عالمياً وهي مؤسسة غير ربحية تأسست في عام 1969 لديها أكثر من 2.9 مليون عضو حول العالم, عدد من انضم للمعهد في عام 2012 لوحده بلغ 148,948 عضو. في عام 1984 أصدر المعهد أول شهاداته وهي شهادة إدارة المشاريع الإحترافية PMP ونالت شهرة غير عادية و مع الوقت أصدر شهادات اخرى أخذت مكانة مميزة في سوق العمل حول العالم وهي كالتالي : 1.     شهادة إدارة المشاريع الإحترافية  ( PMP )® 2.     شهادة زمالة في إدارة المشاريع    ( CAPM )® 3.     برنامج الإدارة الإحترافية       ( PgMP )® 4.     شهادة مهنية في إدارة المحافظ     PfMP 5.     شهادة ممارس                   ( PMI-ACP )® 6.     شهادة محترف في إدارة المخاطر  ( PMI-RMP )® 7.     شهادة مهنية في جدولة المشاريع   ( PMI-SP )® 8.     شهادة مهنية إحترافية  (   OPM3 ® الشهادات الصادرة من المؤسسة تحتل المراتب الأولى من حيث أهمية الشهادات المهنية التي ت

ما الفرق بين التضامن والتضامم في القانون المدني ؟؟

ما الفرق بين التضامن والتضامم في القانون المدني ؟؟ التضامم يكون نتيجة تعدد مصدر الدين ووحدة محله - فتجوز مطالبة أي مدين بكل الدين ولكن في نفس الوقت لا يجوز لمن وفى الدين الرجوع بما دفعه على مدين آخر به لأنعدام الرابطة بينهما مثلا : كفل أحمد دين سعد المستحق لمحمود يمقتضى عقد كفالة  ، ثم كفل إبراهيم دين سعد لدى محمود أيضا بعقد كفالة آخر.. هنا يجوز لمحمود الرجوع على أحمد (الكفيل الأول) أو  إبراهيم (الكفيل الثانى) اذا لم يدفع سعد (المكفول) ، ولكن لا يستطيع أى من الكفيلين الرجوع على الآخر بما وفاه أما التضامن : يستلزم وحدة الدين ووحدة السبب ، ومن ثم فهو لا يفترض ويجب رده إلى نص قانوني أو اتفاق صريح أو ضمني في عقد ما مثال : إذا كفل كل من أحمد وإبراهيم دين سعد المستحق لمحمود بمقتضى عقد كفالة واحد وقام محمود بالرجوع على أى الكفيلين بكامل الدين ، جاز للكفيل الرجوع على الكفيل الآخر بنصيبه فى الدين المكفول