التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات جدوى مستنسخة لشركات التأمين - يوسف عبدالكريم الزنكوي

 لقد جرت العادة في أي سوق منظمة في العالم أن يبدأ كل من لديه نية تأسيس شركة تعمل في قطاع التأمين, بأولى خطوات التأسيس وهي إعداد دراسة جدوى اقتصادية عبر بحث ميداني مفصل للتأكد من حاجة السوق إلى شركات جديدة, والتحقق من قدرة هذه الشركات الوليدة على استغلال ظروف السوق والفرص المتاحة لتلبية حاجات السوق, وأهم من هذا كله البحث في الإمكانات المتوفرة لتحقيق أرباح مجزية في هذه السوق.
ولهذا, فإن المنطق يقول أنه عندما يتقدم مواطن إلى وزارة التجارة والصناعة من أجل الحصول على ترخيص شركة لمزاولة أعمال التأمين, فإنه يتوقع أن يسأل عما إذا كان قد أعد دراسة جدوى اقتصادية أم لا. إلا أن ما يطبق في وزارة التجارة والصناعة كمن يركب الحمار ووجهه للخلف. إذ إن الوزارة وبعد إصدارها ترخيصا لشركة تأمين تقوم بالطلب من أصحاب هذه الشركة الجديدة بإعداد دراسة جدوى قبل مزاولة العمل.

مثل هذا السلوك التجاري المثير للدهشة يذكرني بمن يرمي طوق النجاة لإنقاذ غريق وصل إلى الشاطئ, فما أهمية دراسة الجدوى هذه لمجموعة من رجال الأعمال بعد أن اتخذوا قرارا بإنشاء شركة جديدة وبعد أن منحوا ترخيصا رسميا لهذه الشركة?. والغريب في الأمر أنه وبسبب محدودية السوق المحلية وطفح هذه السوق بكثير من شركات التأمين الزائدة عن الحاجة تكبدت شركات تأمين عديدة خسائر قد تأتي على كامل رؤوس أموالها.

بل إن الأغرب في وضع قطاع التأمين المحلي, أن وزارة التجارة والصناعة قامت قبل فترة بمخاطبة شركات التأمين الخاسرة باتخاذ أي إجراء احترازي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, فكيف تسمح هذه الوزارة بعد خطوتها تلك بإنشاء شركات تأمين جديدة?, بل وكيف تطلب من المؤسسين إعداد دراسة جدوى اقتصادية وهي تعرف مسبقا أن أوضاع السوق المحلية 
سيئة?. إلا إذا كانت الوزارة لا تعلم شيئا عما يجري في قطاع التأمين المحلي, أو أنها تعلم أشياء كثيرة لا يعلمها العاملون في قطاع التأمين, أو أن التقارير التي تصل إلى الوزارة حول أوضاع التأمين في الكويت "أي كلام".
ولنفترض أننا قبلنا بالهرم المقلوب في وزارة التجارة, إلا أنه يبدو أن "خبراء" الوزارة لا يتصفحون دراسات الجدوى التي تقدمها شركات التأمين التي تأسست خلال السنوات القليلة الماضية, فما بالك بالقراءة المتأنية والفاحصة لهذه الدراسات?. ولو تصفحت أولى صفحات هذه الدراسات لاكتشفت أن أغلبها - إن لم يكن كلها - منسوخة من بعضها البعض على غرار (Cut & Paste). فما الجديد الذي قدمته أي دراسة من دراسات جدوى إنشاء شركات تأمين جديدة لكي نحقق النجاح المنشود?, وما السر في عجز غالبية شركات التأمين الجديدة عن تحقيق النجاح المطلوب أصلا, إذا كانت آخر شركة تأمين جديدة أنشئت مؤخرا تضمنت دراسة الجدوى الاقتصادية التي قدمتها تأكيدات على إمكانات تحقيق ارباح مجزية?.

إن السوق الكويتية تفيض بشركات استشارية غير متخصصة ولا خبيرة في علوم دراسات الجدوى الاقتصادية إن جاز التعبير - إلا أنها "متفرغة" في إعداد دراسات منسوخة عن نسخة أخرى هي نفسها منسوخة عن نسخة ثالثة وعن رابعة وخامسة. الأدهى والأمر أن نفس هذه النسخة تعرض على مجاميع أخرى ترغب في تأسيس شركات تجارية جديدة في قطاعات اقتصادية أخرى غير التأمين.

ولم نجد هيئة أو مؤسسة حكومية واحدة أو حتى إدارة حكومية تستدعي مؤسسي الشركات الجديدة لتخبرهم بكل صراحة أن هذه الدراسة منسوخة, أو أنها مليئة بالأخطاء الاقتصادية التي لا تتوافق مع الظروف الحالية للسوق المحلية. فهل رأينا دراسة جدوى اقتصادية واحدة تصارح المؤسسين لشركات أي قطاع اقتصادي بأن السوق الكويتية اليوم لا تسمح بإنشاء حتى بقالة?.

نحن نعرف أنه عندما تتسلم أي هيئة أو مؤسسة حكومية دراسات الجدوى الاقتصادية, فإنها تقوم بفحصها وتحليلها ومن ثم اتخاذ القرار المناسب إما بالموافقة أو الرفض. ولهذا فإن هذه الهيئة الحكومية ومن باب أضعف الإيمان, لابد أن لديها جهاز أو لجنة تتكون من أعضاء هم في الاصل خبراء اكتواريون متخصصون في علوم اقتصادية شتى قادرون على التحليل الاقتصادي, ليضعوا ملاحظاتهم وقراراتهم أو توصياتهم على هذه الدراسات.

وإذا كانت الحكومة عند كل تشكيل تضم بين أعضائها عضوا برلمانيا ليكون محللا, فإننا نتوقع أن يتكرر نفس السيناريو داخل وزارة التجارة والصناعة أيضا. فقد جرت العادة أن تسلم نماذج دراسات الجدوى الاقتصادية إلى أحد مستشاري الوزارة الاقتصاديين, وهو أصلا غير متفرغ للعمل الوزاري بحكم قيامه بالتدريس في أحد المعاهد التجارية. وقد يكون هذا "المحلل" حاصلا على درجة دكتوراه لا علاقة لها بالتأمين لا من قريب ولا من بعيد, ورغم ذلك يقوم هذا الخبير "غير الاكتواري" بالمجازفة بمصير القطاع وتحليل أكداس دراسات الجدوى التي ترمى أمامه لتقديم توصياته عليها. هذا ما نعرفه عما كان يجري في أروقة هذه الوزارة قبل بضع شهور, ولا أعتقد بإمكانية تغير هذا الوضع في الوزارة اليوم وبهذه السرعة.
ورغم ذلك فإنه ليس ضروريا الأخذ أو العمل بتوصيات خبراء الوزارة, فالموافقة على تأسيس شركة التأمين الجديدة وترخيصها لمزاولة أعمالها آتية لا ريب فيها, وكأن تحليلات وتوصيات هذا المستشار تحصيل حاصل لا أكثر, مع احترامنا الشديد لهذا "المحلل". لماذا?, لأن في الكويت كل مجموعة من الشركات المملوكة لجماعة مؤثرة اقتصاديا أو أن لها وزناً اجتماعياً أو ثقلاً سياسياً, قامت بتأسيس شركة تأمين خاصة بها تقوم بخدمة المجموعة, تطبيقا لمبدأ "دهنا في مكبتنا", فتنصاع الوزارة لرغبة كل مجموعة مؤثرة وتتم تلبية رغبتها بالموافقة على التأسيس قبل تقديم دراسة الجدوى.

ألا يذكرنا هذا الإجراء الغريب الذي تتبعه وزارة التجارة والصناعة بمن يضع العربة أمام الحصان?. إنه وضع محزن ولكنه وفي نفس الوقت يوضح لنا جميعا مضمون السبب الرئيسي وراء خروج عدد غير قليل من الشركات الحديثة الولادة من السوق الكويتية بعد فترة وجيزة من التأسيس, وتكبد عدد آخر لخسائر كبيرة إن لم تكن قد شارفت على الإفلاس.

وإذا كنا نركز في حديثنا على قطاع التأمين, فإن التلاعب في مضامين دراسات الجدوى واستنساخها لا يقتصر على هذا القطاع فقط, وإنما يسري على الكثير من القطاعات الاقتصادية وخاصة قطاع الصناعة الذي شهد تراجعا ملحوظا مقارنة بالشركات الصناعية في المنطقة وخاصة خلال العقدين الماضيين رغم تدخل الهيئة العامة للصناعة لدعم هذا القطاع.

فهل تستجمع وزارة التجارة والصناعة شتات شجاعتها وتتسامى على جراحها المتزايدة عبر العقود, لكي تتخلص من أساليبها العقيمة وتشكل لجاناً أكاديمية متخصصة لتقييم دراسات الجدوى الاقتصادية بشكل علمي مدروس?. أم أنها ستواصل سلبيتها القاتلة فتدعي مسؤوليتها عن قطاع التأمين الحيوي دون أن تدري عما يجري من تطورات في أروقة شركاتها?.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا تعرف عن شهادة إدارة المخاطر المهنية الإحترافية RMP-PMI - بقلم أحمد الحريري

مقدمة تعريفية عن (معهد إدارة المشاريع PMI ) الذي يقدم شهادة إدارة المخاطر الإحترافية معهد إدارة المشاريع PMI هو مؤسسة أمريكية رائدة تعنى بإدارة المشاريع وبتقديم معايير لإدارة المشاريع عالمياً وهي مؤسسة غير ربحية تأسست في عام 1969 لديها أكثر من 2.9 مليون عضو حول العالم, عدد من انضم للمعهد في عام 2012 لوحده بلغ 148,948 عضو. في عام 1984 أصدر المعهد أول شهاداته وهي شهادة إدارة المشاريع الإحترافية PMP ونالت شهرة غير عادية و مع الوقت أصدر شهادات اخرى أخذت مكانة مميزة في سوق العمل حول العالم وهي كالتالي : 1.     شهادة إدارة المشاريع الإحترافية  ( PMP )® 2.     شهادة زمالة في إدارة المشاريع    ( CAPM )® 3.     برنامج الإدارة الإحترافية       ( PgMP )® 4.     شهادة مهنية في إدارة المحافظ     PfMP 5.     شهادة ممارس                   ( PMI-ACP )® 6.     شهادة محترف في إدارة المخاطر  ( PMI-RMP )® 7.     شهادة مهنية في جدولة المشاريع   ( PMI-SP )® 8.     شهادة مهنية إحترافية  (   OPM3 ® الشهادات الصادرة من المؤسسة تحتل المراتب الأولى من حيث أهمية الشهادات المهنية التي ت

أكثر من 500 كتاب في مجال التأمين وإعادة التأمين متوفرة مجاناً

خلال السنوات الماضية وبمساعدة الكثير من العاملين في حقل التأمين وخاصة الأستاذ حسين السيد (مدير العلاقات الخارجية في مصر للتأمين) ، استطعت جمع عدد كبير من الكتب الخاصة بمجال التأمين ، و بهدف تقديم  الفائدة لجميع من يرغب وخاصة من طلاب الماجستير والدكتوراه ، اقدم إليكم هذا الرابط والذي يحوي أكثر من 500 كتاب في مجال التأمين وإعادة التأمين وإدارة الأخطار، اضعها بين أيديكم  على هذا الرابط ( هنا ) علماً ان هذه الكتب باللغة العربية ، هذا و سيتم إدراج موضوع منفصل للكتب المطبوعة باللغة الإنكليزية في وقت لاحق.

الإصدار السادس من دليل إدارة المشاريع الصادر من معهد إدارة المشاريع الأمريكي PMBok 6th Edition

مع إطلاق معهد إدارة المشاريع الأمريكي للنسخة السادسة من PMBOK ®     المرجع الأشهر في مجال إدارة المشاريع, اقدم لكم المراجع التالية : بنك اسئلة مبني على أساس النسخة السادسة ويضم 300 سؤال و إجابة ......( اضغط هنا ) دليل إدارة المشاريع وفق النسخة السادسة.  ................................. ( أضغط هنا ) مخطط تسلسل العمليات والمدخلات والمخرجات. ............................( اضغط هنا ). وهذا رابط موقع مجاني يحوي عدد كبير من الإسئلة لإمتحان PMP وفق النسخة السادسة  http://www.onlineexam.site/