إذا كنت ترغب بنشر مقالاتك الخاصة بالتأمين أو إدارة الأخطار على موقع التأمين للعرب يرجى إرسالها على hariri543@gmail.com

السبت، 1 يوليو، 2017

ثلاث وقفات مع التأمين وفق رؤية مؤسسة النقد 2022 - د. عبد الوهاب بن عبد الله الخميس

لعلي في هذه الحلقة أكمل ما طرحته حول رؤية مؤسسة النقد 2022 هل هي وفق الأوليات؟ ولعلي أقف في هذا المقال ثلاث وقفات سريعة حولها:
الوقفة الأولى: هل اندماج شركات التأمين يدعم السوق التأمينية ويرفع من جودتها؟
لعلي أبدأ بما ذكره وصرح به محافظ مؤسسة النقد في كلمته في ندوة التأمين السعودي الرابعة التي ذكر فيها "تشجيع عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع التأمين لإنشاء كيانات واعدة وقادرة على البقاء والمنافسة والابتكار والتطوير". قد أتفق جزئيا مع محافظ مؤسسة النقد من أن الاندماج الذي تشهده سوق التأمين أحد الخيارات المتاحة لدعم استمرارية شركات التأمين لكنه من مبدأ آخر العلاج الكي. كان بإمكان مؤسسة النقد إيجاد كيانات واعدة وقادرة على المنافسة لو كان رأس المال اللازم لتأسيس شركة تأمين مرتفعا حسب ما تخبرنا به بعض الدراسات العلمية وواقع سوق التأمين لبعض الدول كما سبق أن أشرت إلى ذلك في مقال سابق.

الوجه الآخر من تأثير اندماج شركات التأمين أن هذا الاندماج قد يحد من تنافسية السوق في ظل سيطرة عدد محدود من شركات التأمين على الحصة السوقية. فوفقا لواقع سوق التأمين السعودية فالاندماج قد يتسبب في احتكار لسوق تأمين من قبل عدد محدود من شركات التأمين. فمثلا، يخبرنا التقرير الصادر من مجلس الضمان الصحي التعاوني عام 2015 عن سيطرة ثلاث شركات تأمين على 80 في المائة من سوق التأمين الصحي السعودي. بمعنى أن ثلاث شركات تأمين صحي فقط استحوذت على 14 مليار ريال من القيمة السوقية للتأمين الصحي والمقدر بـ18 مليار ريال من أصل 36 مليارا كقيمة سوق التأمين بشكل عام.
لا شك أن هذا الاستحواذ على حصة كبيرة من سوق التأمين الصحي له انعكاسات ليست مالية فحسب ولكن على عديد من الجوانب، ولعلي في هذا المقال أقتصر على ذكر مثال واحد متعلق بالأثر السلبي في جودة الخدمات الصحية المقدمة. فمثلا بعض شركات التأمين أجبرت بعض المستوصفات والمستشفيات الصغيرة على القبول بمبالغ مالية زهيدة لعلاج من هم مؤمنون لديها نظير ضمهم لشبكاتها التأمينية في ظل سيطرتها على 80 في المائة من سوق التأمين الصحي. ففي حال رفضت هذه المراكز والمستشفيات الصغيرة شروط هذه الشركات في الحصول على تخفيضات عالية، فإنها ستكون خسرت 80 في المائة من المستفيدين من خدماتها العلاجية وهي خسارة عالية لا تستطيع تحملها. لذا تضطر هذه المراكز الصحية والمستوصفات إلى قبول شروط شركات التأمين خوفا من أن تخرج من شبكاتها التي تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع سوق من لديهم تأمين صحي. المشكلة تكمن في أن خضوع هذه المستوصفات والمراكز الصحية إلى شروط شركات التأمين لا يؤدي إلى تخفيض التكلفة العلاجية وإنما يدفع هذه المراكز إلى تعويض النقص في أرباحها عبر عمل إجراءات من عمليات أو تحاليل وخلافه قد لا تكون ضرورية للمستفيدين من خدمات التأمين إن لم يكن لها أضرار سلبية.
كما أن بعض المستوصفات والمراكز العلاجية أصبحت تبحث عما يقلل تكلفتها ولو على حساب جودة خدماتها. فمثلا تحاول بعض هذه المراكز والمستشفيات ضم كادر طبي غير مكلف ماديا من أجل الحد من المصاريف وتخفيف حدة ضغط شركات التأمين على أسعار الخدمات العلاجية لديها.
لذا أعتقد قبل الموافقة على اندماج شركات التأمين أن من المهم المحافظة على تنافسية السوق وجودة الخدمات المقدمة من قبل شركات التأمين. فالاندماج قد يؤدي إلى سيطرة عدد من شركات التأمين ما يحد من التنافسية في السوق. على المستوى الدولي، التقارير تشير إلى انخفاض قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ في قطاع التأمين 58 في المائة مقارنة بعام 2015 بينما نجد أن قيم الاستحواذ والاندماج في المنطقة العربية ارتفعت بنسبة 4 في المائة عام 2016 عما كانت عليه عام 2015.


الوقفة الثانية: على الرغم من أن مؤسسة النقد مشكورة أصدرت مبادئ متعلقة بحماية عملاء شركات التأمين لكن تفتقد سوق التأمين وجود جهة تفعِّل هذه المبادئ. فمثلا شركات التأمين لديها متحدث باسمها ويمثلها في وسائل الإعلام. فواقع سوق التأمين يخبرنا أن هناك جبهة منظمة تدافع عن حقوق شركات التأمين لكن في الجانب الآخر لا يوجد جهة تمثل المستفيد من الخدمة بصورة عادلة. فمن جهة نجد أن من يفهمون التأمين ودواخله من المستفيدين محدودون، وفي الجانب الآخر نجد أن لدى شركات التأمين محدثيها وشركاءها من شركات الوساطة ومراكز التدريب والاستشارات وغيرها. فالصوت الآخر الذي يمثل المستفيد من الخدمة مغيب لأن الثقافة التأمينية لدى الناس ضعيفة حتى لدى بعض الإعلاميين الذي يسوقون بغير قصد لشركات التأمين عبر استضافة ممثلين ومستشارين لها. لذا يصبح الحديث ممثلا لطرف واحد من المعادلة.
كما أن ندوة التأمين السعودي الرابعة التي أقيمت أخيرا أعتقد أن الأولى أن تسمى ملتقى لا ندوة في ظل افتقارها لوجود لجنة علمية تقيِّم محتوى ما يطرح من الناحية العلمية وبحيادية. ندوة التأمين الرابعة كانت تمثل بامتياز شركات التأمين وشركاءها من وسطاء ومعاهد تدريب وغيرها من الجهات المستفيدة من شركات التأمين لكن الندوة افتقرت للأطروحات المحايدة التي عادة تقدم من قبل باحثين مستقلين أو من قبل أساتذة الجامعات، كما أن تمثيل القطاعات الحكومية في الندوة كان محدودا.

الوقفة الثالثة: التأمين كصناعة في حاجة إلى أن تكون له مظلة واحدة بدلا من أن يكون مشتتا بين أكثر من جهة. هذا التشتت يمنع تطوير قطاع التأمين لأن الجهات المعنية لها مرجعيات مختلفة. وقد سبق أن دعوت لذلك في مقال علمي نشر عام 2013 في إحدى المجلات العلمية المحكمة. فوجود جهة حكومية موحدة تعتني بالقطاع سيوحد الجهود ويحد من الفراغ الموجود في ظل تعدد المرجعية لقطاع التأمين خصوصا التأمين الصحي بين مؤسسة النقد ومجلس الضمان الصحي التعاوني. وجود هيئة حكومية للتأمين أصبح ضرورة يتطلبها واقع السوق. فهل حان الوقت لتأسيسها؟