إذا كنت ترغب بنشر مقالاتك الخاصة بالتأمين أو إدارة الأخطار على موقع التأمين للعرب يرجى إرسالها على hariri543@gmail.com

الاثنين، 14 مارس 2016

التطور التاريخي لأبحاث السوق المالية (البنوك) - بقلم / المهند السبيعي

في مقالي هذا سأتحدث عن الأبحاث التسويقية في البنوك والتسلسل التاريخي لها، وكذلك كيفية تطورها مع تطور احتياجات العملاء على مر السنوات وما هو المنحى المتوقع منها مستقبلا، يتساءل بعض من يقرأون لي عن أسباب اهتمامي بتاريخ أي شيء أكتب عنه، في الحقيقة فهم التاريخ يساعد على استقراء المستقبل، كما أني حينما أسرد المراحل التاريخية فإني بذلك أستهدف الدول المتقدمة، وما يكون تاريخ بالنسبة لهم قد يكون حاضرا بالنسبة لنا كدول نامية لذلك أرى ضرورة التطرق إلى تاريخ نشأة وتطور أي شيء أتحدث عنه 


رغم أن استخدام الأبحاث التسويقية بدأ يروج في الخمسينيات من القرن التاسع عشر، لم تبدأ البنوك بإجراء الأبحاث إلا في نهايات نفس القرن بتزامن مع الاهتمام المتزايد بإنشاء الفروع وتوسيع الرقعة الجغرافية، وبدأت البنوك في تلك الآونة في تنفيذ أبحاث تتعلق باستكشاف السوق وأخرى تتعلق بتطوير أو تقييم الحملات الإعلانية قبل إطلاقها ولتقييم فعاليتها ما بعد الإطلاق، تم كذلك استخدام بعض تطبيقات الأبحاث الوصفية وتحديدا مجموعات التركيز والتي أذهلت نتائجها أصحاب القرار وأعطتهم تصورات عن الصورة الذهنية المتشكلة في عقول عملائهم عنهم والتي  لم يكونوا ليصلوا إليها لولا تنفيذ هذه الأبحاث، كما تم إجراء العديد العديد من الأبحاث المرتبطة بالفروع والتوسع وأفضل الأماكن لافتتاح فروع جديدة وكان أول بحث أجري بحسب الكتاب المرجعي من إيسومار عام 1956 ميلادية وكان يتعلق بالفروع، وتلى ذلك بعض الأبحاث المتعلقة بفهم سلوكيات العملاء ودوافع استخدامهم لمنتجات معينة وآليات اتخاذهم للقرار
في الثمانينيات من القرن التاسع عشر حدث هناك نمو اقتصادي بحكم العولمة والتجارة الدولية وأدى ذلك إلى انتعاش البنوك حول العالم وبالتالي ارتفاع حدة التنافسية ومن ثم  وبشكل منطقي ازدياد الحاجة للأبحاث التسويقية لاتخاذ قرارات دقيقة وسليمة، وفي ذلك الوقت تزايدت الدراسات المرتبطة بتطوير المنتجات واختبار المفاهيم وكذلك الأبحاث التي تساعد على تجزئة السوق وفهم احتياجات الفئات المختلفة فيه ليصبح للأبحاث التسويقية دور رئيسي في تخفيض المخاطر المحتمل حدوثها 
عام 1990 بدأ يطفو نوع جديد من الأبحاث على السطح وهو الأبحاث المتعلقة بالاندماج والاستحواذ وكذلك أبحاث التثمين، في الولايات المتحدة انخفض عدد البنوك منذ عام 1970 م من 14 ألف بنك إلى 5381 بنك عام 2015 وهي في تناقص مستمر وذلك بسبب اندماج بعضها وكذلك استحواذ بعضها على بعضها الآخر، وتزايد كذلك الطلب على أبحاث الصورة الذهنية وأبحاث تموضع العلامة التجارية وكذلك أبحاث قياس السمعة وكلها أبحاث تعزز نتائجها من موقف البنك في هذه البيئة التنافسية الطاحنة
لاحقا جاءت الأبحاث التي تتعلق بالاستخدام والمواقف وذلك لفهم استخدام العميل خدمية معينة دون استخدام قناة أخرى وما دوافع وموانع استخدام كل قناة وما هي القنوات المفضلة ... الخ 
وكل تلك الأبحاث كان تهدف إلى اتخاذ قرارات معينة لتحويل العملاء من استخدام قنوات مكلفة تشغيليا إلى قنوات كلفتها التشغيلية أقل بكثير من غيرها مع المحافظة على الصورة الإيجابية في أذهانهم، وأوصت العديد من الأبحاث بتقليل استخدام قناة الفروع بسبب كلفتها التشغيلية المرتفعة مقارنة بالعائد على الاستثمار الموضوع فيها، وقد تناقص عدد الفروع على سبيل المثال في بريطانيا بين عامي 1991 و 1996 بنسبة 15%
في بدايات القرن العشرين كان هناك توجه كبير لإجراء أبحاث تجزئة العملاء، فكل البنوك بحسب استراتيجياتها المختلفة في الأسواق ترغب في تجزئة السوق ومعرفة الفئة المستهدفة لها على أكمل وجه وذلك من أجل استهدافهم سواء في حملات تسويق مباشر أو لابتكار منتجات تتناسب مع احتياجاتهم، بعض البنوك تستهدف قطاع الشركات وبعضها يستهدف الأفراد، وبعضها يستهدف فئة معينة من الأفراد، وآخرون يهتمون كثيرا بفئة طلاب الجامعات وهكذا، أبحاث تجزئة العملاء تجزء العملاء على عدة أسس إما أن تكون ديموغرافية أو سايكوغرافية أو بحسب الطبقة الاجتماعية الاقتصادية أو بحسب قيمة العميل، لو أخذنا قيمة العميل كمثال: فإن قاعدة 80 / 20 قريبا جدا من واقع البنوك بحيث أن 80 % من أرباح البنك تتشكل بسبب 20 % من العملاء وقد ترتفع هذه النسبة كثيرا وتصل في بعض الحالات تصبح فيها 95% من أرباح البنك تتشكل بسبب 5% من العملاء وهذا يستدعي إجراء أبحاث تجزئة مرحلية تتمركز حول فهم هذه الفئة الصغيرة.
 ثم تغيرت توجهات البنوك واستراتيجيتها من الاستحواذ على العملاء إلى إرضاء العملاء الحاليين، وهذا أدى إلى ارتفاع سريع في الطلب على الأبحاث التسويقية من أجل إنشاء نماذج متكاملة مستدامة لمراقبة مستويات الرضا والولاء وكذلك الحال بالنسبة لمستويات الرضا والاندماج للموظفين اعتمادا على المبدأ القائل:  "إذا لم تستطع أن تبيع وتروج منتجاتك لموظفيك وتقنعهم بشراءها فكيف ستقنع العملاء الخارجيين بذلك؟" وهذه الظاهرة غريبة، في الحقيقة لا يمكنني أن أعمم وأطلق كلمة ظاهرة إلا في حال تم إجراء بحث تسويقي محقق لإثبات ذلك، هي مجرد فرضية فحينما سألت عدد من الموظفين الذي يعملون في عدة بنوك في السعودية تبين لي أن كثيرا منهم لا يضع جل أمواله وكذلك استثماراته في البنك الذي يعمل لديه وإنما في بنوك أخرى !! وفعله لذلك قد يرتبط بعدم ثقته بمنتجات البنك الذي يعمل لديه أو انجذابه إلى منتج من بنك آخر يقدم مزايا أفضل أو نسب فائدة أقل ... وهذه البنوك لديها كنز عظيم بين يديها إذا يمكنها الحصول على العديد من الرؤى من موظفيها أنفسهم ... فإذا استطاعت استمالتهم وكسبهم في صفها يمكنها حين إذ أن تفترض أنها قادرة على اكتساب المزيد من العملاء وبالتالي زيادة حصتها السوقية في المنطقة
 ومن بعد أبحاث الرضا تزايد الاهتمام بأبحاث الولاء، ومن بعد أبحاث الولاء تزايد التركيز على تحليل البيانات الداخلية وقد ساعد التقدم التكنولوجي في تلك الفترة على تقديم فهم أفضل للعملاء وسلوكياتهم وكذلك على تحسين إيرادات البيع العرضي من خلال تحليل البيانات الداخلية في المصرف وتحليل المعلومات الموجودة في أنظمة إدارة علاقات العملاء
الأبحاث التسويقية ساهمت لاحقا في تزويد أصحاب القرار بتوصيات تتعلق بتحسين تجارب العملاء كبمطالبة العملاء أن يتم التعامل معهم من قبل الموظفين بطريقة ودية ولطيفة وتزايد الاهتمام بعلم تجارب العملاء وتحليل رحلتهم وجهودهم المبذولة في أي تعامل بينهم وبين البنك، كما ظهر العديد من الشركات الاستشارية المستقلة التي تجري بنفسها أبحاثا تسويقية متخصصة عن صناعة البنوك في أسواق معينة حول العالم بالإضافة إلى تزايد اهتمام الجهات التنظيمية القائمة على هذه الصناعات بإجراء مثل هذه الصناعات على حسابها الشخصي، على سبيل المثال لا الحصر: عام 2015 أطلقت مؤسسة النقد العربي السعودي دراسة ضخمة طويلة الأمد بعنوان:
Customer Experience Benchmarking Survey
وهي دراسة من شقين، الشق الأول يشمل جمع بيانات داخلية من البنوك والمصارف المشاركة وعددها إثنا عشر، والشق الثاني يتعلق بقياس صوت العميل من خلال استخدام مؤشر رضا العملاء الأمريكي التي تحدث عنه في مقال سابق هنا
كغيرها من الصناعات استفادت البنوك من منهجيات وتقنيات الأبحاث التسويقية بشكل كبير وفي يومنا هذا أصبحت البنوك رابع أكبر جهة تنفق على الأبحاث بالمقارنة مع الصناعات الأخرى، ولو فكرنا بالأسئلة الكبيرة التي تراود المساهمين في البنوك عند صياغتهم لاستراتيجية المصرف سنجد أنها تتمحور حول جوانب معينة على سبيل المثال لا الحصر: س. هل يريد البنك استقطاب المزيد من العملاء، أم فئة معينة من العملاء؟ س. هل يريد البنك أن تكتظ فروعه بالعملاء، أم أنه يريدها أقل ازدحاما؟ س. هل يريد البنك المزيد من المودعين أم المزيد من المقترضين؟ س. هل يريد البنك أن يصور نفسه على أنه الأفضل تكنولوجيا أم أنه تقليدي؟ هذا النوع من الأسئلة تصعب الإجابة عليه بإجابات واضحة دون فهم السوق التي يتواجد فيها البنك 
توجهات البنوك هذه الأيام تدور حول فهم العملاء بشكل أكبر من حيث زيادة الربحية الناتجة من كل عميل بدلا من زيادة العملاء، وبالنسبة للمستقبل فسيكون هنالك توجه كبير نحو بناء تجارب عملاء الكترونية متميزة وتوجه نحو أتمتة جميع العمليات المالية بشكل كامل، حتى أن العديد من البنوك حول العالم قائمة حاليا بدون فروع، تطرقت أثناء بحثي لأكثر من عشر بنوك قائمة وتعمل وتربح دون أن يكون لديها فرع واحد ولدينا هنا في المملكة العربية السعودية بنك يعتمد بشكل رئيسي على التقدم التكنولوجيا ولدي بعض المنافذ ولكنها ليست بمستوى الفروع الموجودة في البنوك الأخرى حتى أن الموقع الالكتروني لهذا البنك يختلف كثيرا عن جميع المواقع الالكترونية للبنوك الأخرى في السعودية ولحظة الصدق صفر فيه متميزة إذا ما تم مقارنة المواقع مع المواقع الأخرى ... أدع الحكم لكم من خلال زيارة موقع بنك م 
التكنولوجيا أقحمت نفسها رغم أنوف الحيتان الكبار في العديد من الصناعات، هناك توجه كبير حاليا على تكنولوجيا الدفع من خلال الجوال وبعض شركات الاتصال بدأت بالدخول في هذا المجال بحيث يمكنك استخدام هاتفك كمحفظة متنقلة، حتى الدول الفقيرة المنعدمة التي لا يوجد بها أي بنك تجد أن بعض شركات الاتصالات استهدفتها لإنشاء نظام مالي متكامل بها يعتمد بشكل كلي على الجوال
الخاتمة
ما تم ذكره في هذا المقال ينطبق على أسواق الدول المتقدمة وليس بالضرورة أن ينطبق على أسواقنا فبينما نجد أن تجارب العملاء في بنوك الدول المتقدمة أصبحت متميزة وباتوا يبحثون عن التميز في تقديم الخدمة، ما زلنا في الدول العربية ندخل إلى بعض البنوك لنشعر حينما نتعامل مع الموظف وكأنما الذي يجلس أمامنا معالي وزير، وبدلا من أن يحرص هو على مشاعرنا يجب أن تحرص نحن على مشاعره لكي لا ينزعج منا ويقول لنا: اذهب إلى فرع آخر أو (السيستم داون)، أتمنى أن يكون هذا المقال مبادرة بسيطة تصب في الارتقاء بمستوى الخدمة من خلال الاستعانة بالأبحاث التسويقية