إذا كنت ترغب بنشر مقالاتك الخاصة بالتأمين أو إدارة الأخطار على موقع التأمين للعرب يرجى إرسالها على hariri543@gmail.com

الأربعاء، 3 فبراير 2016

خسائر شركات التأمين ومبادئ الحوكمة - بقلم / طلال بن عثمان المعمر

لعل من المهم في البداية التعريف بماهية مبدأ الحوكمة؟ و كيف يعرَف؟ يعتقد الباحثون أنه لا يوجد تعريف محدد لكلمة الحوكمة (Corporate Governance). رغم ذلك سعى الكثير من الباحثين إلى تعريف هذا المبدأ وإيضاح معانيها، حيث يعرفها Prasad 2006, p.01)) أنها “العلاقة بين عدة أطراف والتي تحدد مدى كفاءة المنشأة”. بينما عرفها تقرير كادبوري Cadbury 1992, p.14)) بشكل مبسط أنها “النظام الذي يحكم و يوجه الشركات”.
رغم أن مبادئ الحوكمة تعتبر قديمة قدم ظهور الشركات ومبادئ التجارة، إلا أن أهميتها ظهرت بشكل أكبر بعد سقوط عدة شركات كبرى في الأسواق العالمية كشركة Enron و WorldCom، حيث تصاعدت النداءات إلى فصل ملكية الملاك عن الإدارة والسيطرة على مجالس الإدارات والمطالبة بالشفافية والوضوح من قبل الشركات للمساهمين والجهات الرقابية. حينذاك ظهرت عدة لجان تطالب بهذه المبادئ مثل لجنة ساربان و أوكسلي (SoX) في الولايات المتحدة الأمريكية. في السوق السعودي كان لإنشاء هيئة السوق المالية دور في تعزيز هذه المفاهيم، لكن الحدث الأكبر كان عند حدوث خسائر عام 2006 والتي بدورها عززت من أهمية وجود أُطر حوكمة قوية وفعالة لحماية المستثمرين من تخبطات إدارات الشركات والحد من التربح الذاتي على حساب الشركات وتفعيل أدوار مجالس الإدارة وتعزيز الرقابة.

قبل إيضاح أهمية مبدأ الحوكمة أود أن أتحدث بشكل مبسط عن بعض الحقائق الديموغرافية والإقتصادية للمملكة العربية السعودية. يشكل النفط 90% من إجمالي الصادرات السعودية و 80% من إجمالي العوائد الحكومية و 45% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعزيز من أهمية تطوير الصناعات الأخرى لتنويع مصادر الدخل الوطني بما في ذلك الصناعة المالية ولمواجهة آثار إنخفاض أسعار النفط كما هو حاصل حالياً.
في الجانب الآخر، فإن العوامل الديموغرافية تعزز من أهمية دور القطاع الخاص وتحديداً صناعة الخدمات المالية في توليد الوظائف. حيث يشكل الشباب من الجنسين في الأعمار بين 15-54 نسبة 65% من إجمالي السكان ومتوسط الأعمار للمجتمع السعودي هو 26.8 سنة (CIA, 2015). الاحصائيات السابقة توضح أن المجتمع يتشكل في أغلبه من الشباب من الجنسين وغالبيتهم من المتعلمين التعليم الجامعي. ولكن ما دور الحوكمة؟ هذا ما سيتم إيضاحه في ثنايا المقال بإذن الله.
في المملكة العربية السعودية تُشرف عدة جهات رقابية على تطبيق لوائح و أنظمة الحوكمة منها:
هيئة السوق المالية
مؤسسة النقد العربي السعودي
وزارة التجارة والصناعة

ولكل من هذه الجهات لوائح أُصدرت ويتم متابعة تطبيقها على الشركات سواءً المسجلة في سوق المال أو غير المسجلة. حيث أصدرت هيئة سوق المال في عام 2006 نظام حوكمة الشركات، سبق ذلك إصدار مؤسسة النقد العربي السعودي في عام 2005 لنظام مراقبة شركات التأمين التعاوني بهدف تنظيم أنشطة التأمين والتأكد من أنها موافقة للأنظمة المعمول بها. بعد ذلك أصدرت المؤسسة عدة لوائح لتنظيم عمل شركات التأمين أهمها:
قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لشركات التأمين في عام 2008
لائحة مكافحة الاحتيال في شركات التأمين وشركات المهن الحرة في المملكة العربية السعودية في عام 2008
لائحة إدارة المخاطر في شركات التأمين في عام 2008
لائحة حوكمة شركات التأمين في عام 2015
لائحة لجان المراجعة في شركات التأمين و/أو اعادة التأمين في عام 2015

وتهدف كل هذه اللوائح إلى تنظيم صناعة التأمين والحد من أي تجاوزات قد توثر على إستمرارية الشركة وتحقيق أدوارها في منظومة الإقتصاد الوطني. حيث يتوجب على شركات التأمين الإستيفاء بمتطلبات عديدة لتصبح الشركة متناغمة مع مبادئ الحوكمة المطبقة في المملكة، على سبيل المثال تفرض لائحة الحوكمة الصادرة من المؤسسة على جميع الشركات وضع وتطوير لائحة داخلية للحوكمة تكون متوافقة مع متطلبات لائحة الحوكمة الصادرة بحيث تكون متاحة لمساهمي الشركة، كما تفرض أن يعكس هيكل حوكمة الشركة مساءلة الإدارة العليا من قبل مجلس الإدارة ومساءلة المجلس من قبل المساهمين وغيرهم من أصحاب المصالح. إجمالاً تتكون اللائحة من (132) مادة تحدد الأُطر الرئيسية لمبادئ الحوكمة.
وقبل هذا كله بادرت وزارة التجارة والصناعة في عام 1954 في نشر وتطبيق نظام الشركات والذي يتضمن عدة مواد تعزز من الرقابة على الشركات وتنظم آلية عملها، ويجدر بالذكر أن النظام خضع لعدة تحديثات كان آخرها في عام 2015.
بعد ذكر ذلك، يتوجب إيضاح أنه رغم تطبيق هذه اللوائح والأنظمة إلا أن عدد من الشركات لا يزال يعاني من خسائر فادحة قد تخرجه من الصناعة، والجدول بالأسفل يوضح ذلك:




يتضح من الجدول حجم الخسائر المتراكمة وتزايدها رغم البدء في تطبيق مبادئ الحوكمة على الشركات، فما هو السبب؟ هل هناك ضعف في الرقابة على مدى تطبيق هذه الأنظمة؟ أنه لمن المهم أن يتم تفعيل دور الجهات الرقابية في متابعة التطبيق للأنظمة واللوائح المصدرة بشكل دوري وفعال، حيث أن مجرد إصدار مثل هذه الأنظمة دون المتابعه لا يكاد يفي بالمطلوب. وبحكم عملي في أحد شركات التأمين أكاد أجزم أن مؤسسة النقد تقوم بأدوار مشكور للمتابعة والرقابة، رغم ذلك فإننا نأمل الأفضل من أجل صناعة تأمينية واعدة وشفافة.

كذلك فإن توعية المستثمر بأهم مبادئ الحوكمة و دورها في تعزيز الرقابة وتفعيل دور المستثمر نفسه في الرقابة على الشركات التي يستثمر بها تعزز من نشر هذه الثقافة وتنعكس بالإيجاب على الصناعة بشكل عام. ولاشك أن لهيئة سوق المال دور مشكور، حيث تساهم في توعية المستثمرين عن طريق طرح عدة نشرات توعوية تهدف لتوعية المستثمر بأهم مبادئ الإستثمار وكذلك دوره الرئيسي في تقويم اعوجاج بعض الشركات التي يستثمر بها عن طريق مجالس الجمعيات العمومية مثلاً.

كما أن تعزيز مبادئ الحوكمة يخفض من فرص الإحتيال المالي من حيث التسعير غير المنضبط سواءً كان بالزيادة أو النقص، ويعزز الثقة بالتالي في دقة تسعير الخدمات ويشجع من إقبال الأفراد على شراء التأمين. كذلك فإنه يشجع على زيادة الإقبال على العمل في سوق التأمين، ذلك أن مبادئ الحوكمة تؤطر لمبادئ المساواة الوظيفية وتطوير الموظفين دون تفرقة والمحافظة على رأس المال العامل (الموارد البشرية). كذلك هي ترفض أي نوع من أنواع تعارض المصالح للمنتسبين للشركات أو ملاكها وأعضاء مجالس الإدارة وتطلب من الشركات إيضاح ذلك رسمياً للجهات الرقابية وفي الجمعية العمومية للمساهمين.

بالطبع لا يمكن حصر مواد وأحكام اللوائح التنظيمية الصادرة عن الجهات الرقابية في المملكة العربية السعودية في مقال قصير يهدف إلى المساهمة في نشر التوعية بمثل هذه المبادئ، ورغم تعدد اللوائح والأنظمة أعتقد أنه يتوجب على كل من يعمل في التأمين أو يستثمر في شركات التأمين أن يطلع عليها وعلى اللوائح والأنظمة الأخرى ليتعرف أكثر على مبادئ الحوكمة وكيف يمكنه أن يستفيد منها في مسائلة الشركات، كما يتوجب عليه بعد ذلك حضور الجمعيات العمومية وترجمة أي مخاوف لدية إلى واقع بحيث يطرحها على الشركة في الجمعية العمومية وبحضور ممثلي الجهات الرقابية.

طلال  المعمر
الزمالة الملكية البريطانية للتأميـن
زمالة إدارة المخاطر الأمريكية
talal.muammar@gmail.com

المراجع:
Cadbury, A. (1992). Report of the Committee on the Financial Aspects of Corporate Governance: the Code of Best Practice. London: Gee Professional Publishing.
CIA World Fact Book (2015). ‘Saudi Arabia’ [online]. Available from: https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/sa.html [Last accessed: 26/01/2016].
Parasad, K. (2006). Corporate Governance. New Delhi: Prentice-Hall of India.