إذا كنت ترغب بنشر مقالاتك الخاصة بالتأمين أو إدارة الأخطار على موقع التأمين للعرب يرجى إرسالها على hariri543@gmail.com

الخميس، 30 يوليو، 2015

التأمين للمبتـدئين - سلسلة حلقات لتعليم التأمين التطبيقي للمبتدئين - الحلقة الأولى

 مقدمة في نشأة التأمين - وتعريف الخطر :
إن الإهتمام الكبير بصناعة التأمين خلال السنوات الأخيرة ، خاصة فيما يتعلق بقضية الحلال والحرام في التأمين من ناحية ، وما يتعلق بقضية التأمين التجاري والتأمين التعاوني من ناحية أخرى ، ناهيك عن تطور المنتجات التأمينية والإقبال الشديد على شراءها والاستفادة منها في توفير الحماية للمتلكات ومواجهة المسئوليات التي تنشا تجاه الغير، خاصة في مجتمعات كانت لا تعبأ بنشاط التأمين حتى عهد قريب ، كل ذلك يمثل أسبابا كافية لاهتمام الباحثين المتخصصين في مهنة وصناعة التأمين بتعميق أبحاثهم المتعلقة بدراسة تلك القضايا المثارة والتي يختلف بشأنها الكثيرون ، خاصة فيما يتصل بالحلال والحرام في التأمين ، وكذلك ما يتصل بالفروق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني الذي بات على جانب من الأهمية خلال العقدين الأخيرين  .



· نشأة التأمين :
لاشك أن الإنسان ومنذ بداياته وهو يواجه الكثير من المخاطر التي تهدده وتؤرقه في جميع نواحي معيشته ، وكان من الطبيعي أن يسخـر الإنسان كل امكانياته العقلية والجسدية الملموسة وغير الملموسة المباشرة وغير المباشرة لمقاومة هذه المخاطر التي تواجهه في كل يوم وفي كل ساعة بل في كل لحظة من لحظات حياته ، وذلك بغرض القضاء على هذه المخاطر لدرءها  أو على الأقل التخفيف  من إحتمالية وقوعها  قدر المستطاع وإن كان الأمر محتوما لوقوعها يجتهد لتقليل الأضرار الناتجة عنها حال حدوثها .

ونظرا لطبيعة المخاطر التي تواجه الإنسان من حيث كونها مخاطر متنوعة ومتجددة ومتطورة ، فإن ذلك استدعي أن تكون وسائل مواجهة الإنسان لهذه المخاطر أيضا متنوعة ومتجددة ومتطورة ، حتى يتمكن من الانتصار عليها كلياً أو جزئياً ، ونجد أن ابتكار الإنسان لأدوات مواجهة المخاطر قد تطورت بتطور الزمن ، حيث اخترع الإنسان في بداياته مثلا الحربة لمواجة الحيوانات المتوحشة وللدفاع عن نفسه ضد الذين يهاجمونه أو يعتدون عليه  ، واليوم توصل الانسان إلى الأسلحة الألية والصواريخ المتطورة لأداء الغرض نفسه ، كما استخدام الانسان المياه في اطفاء الحرائق ومع تطور الزمن وتطور الخطر أيضا توصل الإنسان إلى استخدام المركبات الكيميائية لنفس الغرض ، ومع استمرار تطور وتنوع المخاطر استمر الانسان في تطوير أدواته التي يواجه بها هذه المخاطر أملاً في تفاديها أو التقليل من احتمالية وقوعها وكذلك سعيا نحو  التقليل من أضرار تلك المخاطر إذا وقعت له بالفعل .

وإن كان الإنسان طيلة العصور والأزمان السابقة قد استطاع أن يبتكر مجموعة كبيرة ومتطورة من الوسائل التي تعينه على مواجهة المخاطر المتنوعة والمعقدة ، إلا أنه بالتأكيد لم يستطع القضاء على المخاطر بشكل كامل ، كما أنه لم يتسطع تجنب الخسائر المالية والجسمانية التي تنتج عن تعرضه لهذه المخاطر بالفعل  ، لذلك نجد أن الإنسان في دول أوروبا بدأ يبحث في وسائل وأدوات جديدة لمواجهة الآثار المترتبة على وقوع الخطر في حالة فشله في منع وقوعها ، فبدأ يفكر في كيفية تجنب أو استعاضة الخسائر المادية الناجمة عن وقوع الأخطار ، إلى جانب بحثة في كيفية معالجة الأثار والأضرار الجسمانية التي تخلفها هذه المخاطر أيضا .
 وبالفعل نجح الإنسان خلال تلك الفترة الزمنية في إيجاد الوسيلة التي يمكن بها استعاضة أضراره التي قد تنتج عن المخاطر التي يتعرض لها ، وكانت هذه الوسيلة هي تلك الفكرة الذكية التي تعتمد على توزيع الأضرار على أكبر عدد ممكن من المتعرضين لها باستخدام أليات معينة ، وهذه الفكرة الذكية هي التي عرفت فيما بعد بالتأمين .

ولأن التأمين هو عبارة عن خدمة لا تخلف وراءها  أطلالا أو أثارا يمكن تتبعها لمعرفة تاريخ نشأته الحقيقية ، فإن قضية تحديد تاريخ دقيق يحدد نشاة التأمين أمر غاية في الصعوبة ، حيث ظهرت على مر العصور وخاصة في عام 3000 قبل الميلاد وما بعدها سلوكيات عفوية من الإنسان القديم يمكن بالقياس اعتبارها نوع من التأمين بصورة أو بأخرى ، ومن أمثلة ذلك قبل ظهور الاسلام وفي شبه الجزيرة العربية قيام مجموعات من القبائل بتكوين صندوق يودعون فيه مشاركاتهم طواعية من مواردهم المالية لمساعدة المحتاجين وغير القادرين على تلبية أعباء الحياة حينذاك ، كما  ، وبعد ظهرو الاسلام أيضا كان الناس في المجتمعات الزراعية يجمعون في موسم الحصاد مشاركات من المزارعين ذوي المحصول الوفير لإعادة توزيعها على المزارعين الذين لم يحققوا وفرة في المحصول وذلك لضمان استمرار قدرتهم على العيش بأمان واستقرار  ، وكل هذه السلوكيات التكافلية بلا شك هي نوع من أنواع التأمين بشكله الحالي وأن كانت تتم بشكل عفوي .

وخلاصة الأمر في موضوع نشأة التأمين فقد استقر فريق من الباحثين أن التأمين بشكله المنظم وجد في بدايات القرن الرابع عشر ثم تطور بعد ذلك بشكل منظم وموثق خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر وتحديدا في عام 1435م ، وكان دليلهم  على ذلك صدور أول نظام تأمين بحري في نفس العام يحدد الحقوق والواجبات لأطراف التأمين وكان بمثابة توثيق حقيقي لظهور نشاط التأمين المنظم من وجهة نظرهم تحت أسم  " أوامر برشلونة Ordonnance de Barcelone " ،  كما ظهر تباعا لذلك أنواع أكثر تطورا من التغطيات التأمينية خلال الفترة من 1500م حتى 1700م حيث شهد عام 1688م بدايات ظهور هيئة لويدز للتأمين  بلندن في مقهى لويدز إذ  كان يتفاوض أصحاب السفن والتجار ويحصلون على التأمين على أساطيلهم وحمولاتهم ، وتعتبر هيئة لويدز حتى الأن إحدى الهيئات الدولية التي تقود صناعة التأمين في العالم وتخدم الصناعة بالكثير من الممارسات في شئون التأمين وإعادة التأمين ويعتبرها البعض عنوانا للتأمين في العالم .

* تعريف الخطر :
من البديهي أن يكون تعريف الخطر بشكل عام بأنه حدث غير مرغوب فيه ، ولذلك يسمي خطرا ، فهو شيئ يخشاه الإنسان ويخاف من عواقب وقوعه ، لما لذلك الحدث من توابع ضاره عليه وعلى مصالحه وممتلكاته وقد يكون على سعادته ومزاجه بشكل عام ،  ولكن الخطر في صناعة التأمين يكون أكثر تحديدا ودقة ، فليس كل خطر يعتبر خطرا تأمينيا ، وليس كل شيئ يخشاه الإنسان يمكن التأمين ضده ، فهناك شروط للخطر القابل للتأمين ، فالتأمين لا يعترف بالأخطار أو الأحداث التي لا تتسبب عند وقوعها في إحداث أضرار مالية مثل حدث إلغاء شركة الطيران لرحلة ترفيهية مثلا ، كما أن الخطر الذي يقره التأمين لابد وأن يكون محتمل الوقوع وليس مؤكد الوقوع كما يجب أن يكون خطرا بحتا أو "محضا" بمعنى أن تكون الاحتمالات المتوقعة عن وقوعه هي حدوث خسائر أو عدم حدوثها دون احتمالية تحقيق أرباحا حيث لو احتمل الخطر تحقق ربحا عند وقوعه يكون ذلك خطرا ينطوي على مضاربة وليس خطرا بحتا أو محضا يحتمل منه عن الوقوع أن يحدث خسارة فقط أو لا خسارة  ، كما يجب أن يتوفر في الخطر القابل للتأمين أيضا أن يكون خطرا خاصا وليس خطرا عاما ، أي خطر يصيب فرد أو شريحة من المجتمع ولا يصيب المجتمع بالكامل فيصبح خطرا عاما لا يمكن التأمين ضده ، وعلى ذلك ويمكن صياغة تعريف مبسط للخطر التأميني كما يلي :
( الخطر التأميني هو حدث خاص غير مرغوب فيه ، بحت محتمل الوقوع ، وعند وقوعه يحدث ضررا ماديا يمكن قياسه ) .

ويمكن ملاحظة أن التعريف السابق للخطر التأميني ينقسم إلى عدة مقاطع أساسية تحدد مواصفات الخطر التأميني ، حيث ليس كل خطر يمكن اعتباره خطرا تأمينيا ، وتوضيح صفات وأنواع الخطر التأميني
فيما يلي:
الصفة الأولى : أن يكون الخطر خاصا : والمقصود من كلمة خطر خاص أي أنه خطر يتعرض له فرد أو جماعة أو شريحة من المجتمع مثل الحريق أو السرقة وهكذا .. وليس خطرا عاما يتعرض له المجتمع بالكامل أو الدولة مثل الكساد أو الفيضانات الكبيرة " تسونامي " والسبب في ذلك قد يرجع إلى أنه في حالة الخطر الخاص الذي يتعرض له الفرد أو الجماعة أو شريحة من المجتمع يكون التعويض في مقدرة شركة التأمين أما في حالة الخطر العام فإن الخسائر تكون كارثية على المجتمع ومكوناته ككل بما في ذلك شركة التأمين نفسها حيث ينالها بعضا من توابع هذه الكارثة وبالطبع فلا تستطيع شركة التأمين تعويض الدولة بالكامل وهنا يحل دور المجتمع الدولي في تقديم المساعدات الهائلة التي تعيد المجتمع الى طريق الأمان والاستقرار ولا يكون هناك دور لشركات التأمين .

الصفة الثاني : أن يكون الخطر بحتا ، فالتأمين يعترف بالخطر البحت الذي لاينطوي على مضاربة أي لا يرجى من وراءه ربحا مثل خطر المضاربة في البورصة فهذا خطر إما أن يحدث خسارة أو أن يحدث ربحا أو لا يحدث خسارة ولا ربحا ، وبالتالي فهو خطر غير بحت ، إذ أن الخطر البحت أو المحض هو الخطر الذي عند وقوعه قد يحدث خسارة أو لايحد خسارة فقط دون التعدي الى احتمالية احداث ربحا فيصبح خطر مضاربة .

الصفة الثالث : أن يكون الخطر محتملا ، لابد أن يكون الخطر التأميني محتمل الوقوع بنسبة تزيد عن الصفر وتقل عن الـ 100% ، ذلك أن الخطر إذا كانت احتمالية وقوعه هي نسبة تساوي الصفر فهذا يمعنى أن هذا الخطر يستحيل وقوعه وبالتالي لا يجوز قبول التأمين ضده ، لأنه في واقع الأمر لا يوجد خطر ، والتأمين لا يتعامل مع الأخطار إلا بغرض تقديم الحماية منها .
ويمكن فيما يلي ذكر مثالا لخطر احتمالية وقوعه صفر: مثلا أن يقوم شخص بطلب التأمين ضد خطر احتراق منزله الكائن بالرياض إذا انهار تمثال الحرية في أمريكا ، ففي هذه الحالة احتمالية وقوع الخطر يساوي صفرا ، وذلك استنادا إلى قوانين الطبيعة ونظريات الكون ، حيث أن بعد المسافة بألاف الكيلومترات يجعل من حدوث حريقا لمنزله في الرياض بسبب انهيار تمثال في أمريكا أمرا مستحيلا  . وقد يلزم التوضيح بأن الخطر في هذه الحالة هو حريق المنزل وليس هدم أو انهيار التمثال ، فخطرانهيار التمثال  ممكن الوقوع ، ولكن الخطر المطلوب التأمين ضده هو احتراق المنزل في الرياض بسبب انهيار التمثال في أميركا وهذا يقينا مستحيل الحدوث ،وبالتالي فإن هذا الخطر لا يعد خطرا تأمينيا .

كما لا يجب أن تكون احتمالية وقوع الخطر تصل إلى نسبة مائة في المائة ، وفي هذه الحالة لا يعتد هذا الخطر خطرا يمكن التأمين ضده ، لأن الخطر أصبح يقيني الحدوث ، وانتفت عنه صفة الإحتمالية ، لذلك لا يجوز التأمين عليه ، ووتوضيحا للخطر اليقيني الحدوث أو الذي تصل احتمالية وقوعه إلى مائة في المائة هو أن يطلب شخصا التأمين على مصنعه ضد الحريق في حين أن المصنع احترق بالفعل أو يطلب التأمين على السيارة ضد خطر السرقة بعد سرقتها فهذا خطر محقق بنسبة 100% ولا يمكن قبول التأمين ضده أيضا لأن من صفات الخطر التأميني أن يكون محتمل الوقوع بنسبة تجعل وقوعه ممكنا ومحتملا وليس معدوما ولا يقينيا الوقوع  .

الصفة الثالث : أن يكون الخطر ماليا يتسبب في وقوع أضرار مالية عند وقوعه ، وذلك حتى يقوم التأمين بدوره في تعويض المستأمن عن الأضرار المادية التي لحقت به نتيجة وقوع الخطر المؤمن ضده ، فإذا طلب شخصا التأمين على خطر يخشى منه وهو عدم اكتمال حمل زوجته مثلا ، فقد يكون هذا الشخص يرى في ذلك خطرا بالنسبه له ، وقد يكون كذلك ، إلا أنه ليس خطرا تأمينيا ، فتحمل مصاريف علاج الحمل ممكن ويعد خطرا تأمينيا ، إلا أن تخوف الشخص من عدم اكتمال الحمل وعدم وصول الطفل إليه لا يعد خطرا تأمينيا لأنه لا يخلف وراءه أضرارا مادية يمكن لشركة التأمين تعويضه عنها بل الضرر الذي يمكن أن يحدث في هذه الحالة هو خطرا نفسيا ومزاجيا بشكل عام  .

* وعلى ذلك يمكن التأكيد على أن أنواع الأخطار تتمثل في : الأخطار المالية والعينية ، والأخطار البحتة والمضاربة ، والأخطار العامة والخاصة ، والخطر التأميني يجب أن يكون خطر ( مالي ، بحت ، خاص ، محتمل ) .


***
  
التأمين للمبتـدئين
سلسلة حلقات لتعليم التأمين التطبيقي للمبتدئين
يكتبها:  المحاضر / محمد عبدالتواب
خبير التحليل المالي والتأمين

هذه المقالة كانت قد نشرت سابقاً في مجلة التأمين