إذا كنت ترغب بنشر مقالاتك الخاصة بالتأمين أو إدارة الأخطار على موقع التأمين للعرب يرجى إرسالها على hariri543@gmail.com

الأربعاء، 4 سبتمبر، 2013

ثقافة التأمين المخفية – محمد كامل

ربما يكون حظ الناس من العلم بعمليات التأمين وإعادة التأمين قاصراً على الاقتناع بحقيقة التعويض الذي سيلقونه حينما تتعرض سياراتهم إلى حوادث السير، ولذلك يدفعون مبالغ التأمين وليس في مخيلتهم ان هذه الأموال في حال عدم حدوث اي حادث اصبحت ــ للمفارقات ــ من الولائم التي يترقبها العديد من الناس ليوافقوا مواقيت دوران الحول عليها أو سقوطها أو ربما يقومون بإعدامها في بعض الأحيان لحاجة في نفس يعقوب. 
وكنا في زمن سابق نهتم بنشر ثقافة التأمين حينما كانت شركة شيكان تخترق كل حين مجالاً جديداً من مجالات التأمين، وتابعنا فصول من مسيرة البحث عن مظان التأمين استناداً إلى حركة الناس والتجارة والزراعة وحتى السفر والحج والعمرة، فتمت الاستفادة من حالة الزحام الذي تحدثه باختلاق التأمين الزراعي والتأمين على السفر، خصوصاً أن العديد من الدول تشترط في طلبات الحصول على التأشيرة ارفاق وثيقة التأمين على السفر الأمر الذي شكل سوقاً رائجة في هذا المجال. 

وما لا يعلمه العديد من الناس حتى أولئك الذين يسافرون باستمرار، أن مبالغ التأمين التي تدفع للحصول على وثيقة التأمين يجب أن تسترد القيمة الأكبر منها في ختام عملية قفل الحسابات، وإخطار حاملي الوثائق بذلك، وهو الفعل المفروض من قبل الهيئة العامة للرقابة على التأمين على حوالى ثلاث عشرة شركة تأمين سودانية تعمل بالبلاد تحت شعار استرداد وحماية أموال حاملي وثائق التأمين، لأن العديد من حملة هذه الوثائق لا يعلمون عن إمكانية استرداد اموالهم التي دفعوها نسبة للثقافة المروج لها والتي تتحايل بأن العملية تكافلية يستفيد منها الجميع، وبالتالي لا مبرر لمطاردة هذه الأموال في حالة دوران الحول، وانما الاستمرار في الدفع كل عام. 

اذن الهيئة العامة للرقابة على التأمين وهي جسم يتبع لوزارة المالية من أوجب واجباتها حماية وضمان حصول حاملي وثائق التأمين على حقوقهم كاملة غير منقوصة، إلا مما يسمونه رسوماً إدارية، وفي الحقيقة هي أتعاب إدارية لا يجب أن تؤخذ إلا بعد ضمان حصول المؤمن عليهم على أموالهم، أما إذا خصمت قبل رفع وقفل الحسابات فهي أموال تؤخذ من الناس بغير رضائهم فحسب، ولا يمكن تكييفها شرعياً، ولذلك بدا مستغرباً ومريباً أن تقوم الهيئة العامة للرقابة على التأمين بفعل يصب في خانة الإضرار بحقوق حاملي وثائق التأمين، وهو الأمر الذي اكتشفناه خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد بمباني شركة الشرقاوي للحلول المتكاملة، وهي شركة وطنية تعمل في مجال استرداد الديون وتحصيلها لصالح أصحابها، وعلاوة على ذلك تتمتع بعضوية الـ (ARS) «تجمع شركات تحصيل الديون» التي تضم مائة وثمانين بلداً حول العالم ولها تاريخ مشرف مع شركات التأمين والمصارف السودانية في استرداد الديون والاستحقاقات المالية. 

إن ما اكتشفناه وباختصار غير ممل أنه وبعد تصفية احدى شركات التأمين قامت ست شركات أخرى بتفويض من يسترد لها المديونيات المستحقة على الشركة المصفاة، وهي مديونيات نشأت وفق نظام التعاون والمقاصة بين شركات التأمين، وبما أن لكل شركة تأمين بما فيها تلك التي تتم تصفيتها أموال مجنبة بنص القانون تحت مسمى «الاحتياطات المحجوزة»، وبما أن الهيئة العامة للرقابة على التأمين هي الجهة المخولة بتعيين «مصفي» شركات التأمين إضافة الى كونها المتصرف الوحيد في الاحتياطات المحجوزة ولا يحق للبنوك التصرف في الاحتياطات المحجوزة الخاصة بشركات التأمين إلا بموجب توجيه وخطاب من الهيئة، وحيث أن الهيئة تعلم أن الاحتياطات المحجوزة هي أموال تخص حاملي وثائق التأمين، فإن الواجب يحتم عليها تسهيل وليس عرقلة مساعي الساعين لرد الحقوق إلى أهلها، ولعل هذا ما لمسناه من المكاتبات والوثائق التي تم الكشف عنها في المؤتمر الصحفي المذكور، وهذا ما سنتعرض لذكره في مساحات أوسع لاحقاً. 

إن العلاقة بين الهيئة وشركات التأمين تقوم على الرقابة والتأكد من صحة عملية قفل الحسابات وإعدام الديون وليس إهدارها، لأن الديون المعدمة تبقى موجودة في دفاتر قفل الحسابات والتقارير المالية الختامية، وبالتالي هي أموال وليست سراباً، ومتى ما توفر المال المعدم ينبغي استرداده، وما حدث في مسألة تصفية تلك الشركة يجب أن يسلط الضوء عليه، حيث تمت تصفية شركة ثم تم اكتشاف وجود مليارات الجنيهات مجنبة باعتبارها احتياطات محجوزة في حسابها، ثم جاء أرتال من الدائنين لاسترداد أموالهم من الشركة، وجاء من يجادل عن أولئك الدائنين، فكيف تقوم الجهة المفترض فيها حماية حقوق حاملي وثائق التأمين بالاعتراض على عملية الاسترداد؟ وكيف تخاطب مستخدمة سلطتها شركات التأمين بسحب التفويض الممنوح لموكلها حتى لا يطارد تلك الأموال المحجوزة لإرجاعها لأصحابها؟ إن شبهة فساد واضحة تتبدى من بين سطور المكاتبات التي بحوزتنا، ونحن نأمل من وزارة العدل حفظاً للحقوق تكوين لجنة تحقيق في مصير هذه الأموال المتصارع عليها، فليس كل مسألة يُرمى بها في حضن القضاء التجاري والتصفية يعني أنها فلتت.. والله المستعان.