التفحيط والتأمين الإلزامي على المركبات - د. فهد بن حمود العنزي

مشكلة أو ظاهرة التفحيط في مجتمعنا السعودي لها أبعادٌ كثيرة، ولها أيضاً آثارها السلبية التي لا ينكرها أحد. وهذه الظاهرة تحتاج إلى دراسة شاملة تتناول مختلف الجوانب المرتبطة بها. ويكفي أن نستعرض بعضاً من مقاطع الفيديو التي تزخر بها الشبكة العنكبوتية لندرك مقدار ما يرتكبه شبابنا في حق أنفسهم وفي حق غيرهم ولا سيما أولئك الذين يتجمهرون على أطراف الطريق، إذ سرعان ما يتحول المشهد إلى كارثة إنسانية بمختلف المقاييس.
ومن دون أدنى شك فإن المفحط من الناحية النظامية يرتكب سلوكاً مخالفاً وضاراً ومعاقب عليه نظاماً. فالمفحط يحوّل ببساطة المركبة من وسيلة نقل إلى وسيلة قتل. ونحن نعرف أن السيارة أو المركبة تحركها قوة آلية جبارة لا يقف في وجهها إنسان أو حيوان. فإذا استعمل المفحط هذه الآلة وحرفها عن وظيفتها وضرب بعرض الحائط بالمتطلبات وبالتعليمات النظامية ودون مبالاة بقواعد السلامة، فإنه في هذه الحالة يستحق أن ينال أقصى درجات العقوبة، وأن يُحرم من استخدام هذه الآلة إلى أن يدرك سوء سلوكه.
ومما لا شك فيه فإن ممارسة التفحيط ترتبط بسلوكيات أخرى لا تقل خطورة عن التفحيط بل هي محرّك وداعم له وأقصد هنا تعاطي المخدرات وشرب المسكرات. فهناك العديد من الدراسات والتحقيقات التي كشفت العلاقة الوطيدة بين ظاهرة التفحيط وشرب الخمر وتعاطي المخدرات.


وفيما يخص التأمين والتفحيط، فقد لفت انتباهي تصريح نشرته بعض المواقع الإخبارية في الأسبوع الماضي نسب إلى مدير عام المرور اللواء عبد الرحمن المقبل في الأسبوع الماضي، وفحواه أنه سيتم البدء بالعمل بالوثيقة الموحدة الجديدة للتأمين الإلزامي على المركبات خلال هذا الأسبوع. وذلك بعد أن تم ربط شركات التأمين بمركز المعلومات الوطني آلياً، وأن وثيقة التأمين هذه وبحسب ما ذكر اللواء المقبل لا تشمل التعويض عن أضرار الحوادث التي تقع تحت تأثير المسكر أو التفحيط شريطة أن تكون المخالفة سبباً مباشراً في الحادث.
وهذا يعني أن الوثيقة التي سيتم العمل بها هذا الأسبوع ستسحب نهائياً تغطيتها التأمينية للطرف الثالث المتضرر من الحادث المرتكب بسبب التفحيط أو تحت تأثير المسكرات والمخدرات (وأرى أن المسكرات والمخدرات يأخذان نفس الحكم). وحسب المعمول به سابقاً فإن شركات التأمين مُلزمة بتغطية الطرف الثالث حتى لو كان الحادث بسبب التفحيط أو نتيجة تعاطي المسكرات والمخدرات، ومن ثم تقوم شركة التأمين بالرجوع إلى عميلها المتسبب بالحادث لاسترداد ما دفعته من تعويضات للمتضرر. حيث تقوم برفع دعوى على عميلها تُسمى في عرف التأمين (دعوى الرجوع). وهذا فيه ضمانة كبيرة للمتضرر بأن يحصل على حقه بعيداً عن مماطلة السائق المسؤول عن الحادث.
وفيما يبدو فإن التوجه الجديد هو اعتبار هاتين المخالفتين الخطيرتين وهما التفحيط والقيادة تحت تأثير المسكرات أو المخدرات من قبيل السلوكيات التي لا يمكن أن تكون قابلة للتأمين عليها أصلاً وبالتالي فإن من يتحمل النتائج التي تترتب عليها جنائيا ومدنياً هو السائق نفسه. وهذا مستمد من مبدأ تأميني أصيل وهو أن الأفعال العمدية وشبه العمدية لا يجوز التأمين عليها أو إدخالها ضمن وثيقة التأمين، وذلك لأن الأضرار التي تترتب على هذه الأفعال هي أضرار عمدية. كما أن من أبسط التزامات المؤمن له أو العميل أن يتوخى الحيطة والحذر ويتخذ كافة الإجراءات والاحتياطات التي تمنع حصول الخطر أو تفاقمه. وبلا أدنى شك فإن التفحيط أحد هذه الأفعال العمدية التي لا تتماشى مع مفهوم الحذر في التأمين والحرص على عدم حصول الخطر وكذا الشأن بالنسبة لتعاطي المخدرات والمسكرات. ولذلك تم إسقاط هذين الفعلين الخطيرين من وثيقة التأمين ومن ضمان شركات التأمين وأن من يتحمل مسؤوليتهما مدنياً وجنائياً هو السائق نفسه وذلك دون المرور بالذمة المالية لشركات التأمين.


تعليقات