إذا كنت ترغب بنشر مقالاتك الخاصة بالتأمين أو إدارة الأخطار على موقع التأمين للعرب يرجى إرسالها على hariri543@gmail.com

الخميس، 1 نوفمبر 2012

إدارة المخاطر مواجهة و ليست فراراً .... ما المخاطر التي يجب الإقدام عليها؟ أدريان سلايفوتسكي

كثيرٌ من المديرين ينظرون إلى المخاطرة كعارضٍ مكروهٍ مرافقٍ للقيام بالعمل و ينبغي السعي للسيطرة عليه حيثما كان ذلك ممكناً. إن هذه الطريقة في التفكير تنبع من منظورٍ تبسيطي ظاهريّ للمخاطرة. فالحقيقة هي أنّ بعض المخاطرات ينبغي تقليصها و بعضها الآخر ينبغي اعتناقه في الطريق نحو النموّ.
إن السعي إلى النمو يتطلّب المراهنة على منتجاتٍ معيّنة، أو قطاعاتِ زبائن، أو أقنية توزيع، أو حلفاء، أو غير ذلك من عناصر العمل، و تستدعي المراهنة على أيٍّ منها إدارة مخاطرةٍ إستراتيجيّة. و هكذا فإن الشركات الأكثر نجاحاً لا تنصرف إلى اجتناب كلّ ما تحمله إليها المخاطرات و إنّما تركّز على تحديد و توقّع الجانب المشرق من سحابة المخاطرة المظلمة و التي يمكن أن تولّد لدى إحسان إدارتها الحصيلة الإيجابية الأكبر.


- كيف نفكّر بالمخاطرة:
حتّى يحصّلوا منافع المخاطرة ينبغي على المديرين توسيع منظورهم الفكري إليها.

كثير منهم يميلُ إلى الانحصار في المخاطر المالية أو التشغيليّة أو الحوادث مثل تذبذب أسعار الصرف، و حوادث الغش و السرقة و الزلازل، و يتكوّن دفاعهم ضدّ تلك المخاطر من ممارساتٍ تهدف إلى تخفيف آثار المخاطرة أو تحويلها بعيداً عن الشركة مثل التحوّط، و الرقابات الداخليّة، و التأمين.

و لكن وراء هذه المخاطر التقليدية توجد مجموعة من المخاطر الإستراتيجية التي يتزايد تأثيرها التخريبيّ و تغدو مصدراً أكبر لتحطيم القيمة. و الفشل في استباق و إدارة هذا الطيف من المخاطر الإستراتيجية يمكن أن يعرّض الشركة إلى تدهورٍ حاد في قيمة الأسهم بالإضافة إلى تذبذب العوائد. مثلاً، عدد الشركات الأمريكية القادرة على تحقيق نموّ مستقر في العائدات على المدى الطويل قد تناقص و يتجلى ذلك من خلال الانحدار المضطرد لنسبة الأسهم الجيّدة إلى الأسهم الرديئة لدى ستاندردز آند بورز ( حيث تقاس الجودة باستقرار العوائد) من 66% عام 1985 إلى 19% في عام 2003.

تشمل المخاطر الإستراتيجيّة أكثر من الحوادث الواضحة العالية الاحتمال ( مثل فشل حملة الدعاية الجديدة أو إطلاق المنتج الجديد) فجميع التغييرات الإستراتيجيّة ( كبيراً كان تجسيدها في نموذج العمل أم صغيراً ) تتضمّن مخاطرَ أخرى أقلّ

وضوحاً:
·         التقلّب السريع لأولويات الزبائن، مثلما يحدث عند تحوّل أرباب الأسر من استخدام سيارات الستيشن إلى سيّارات الفان الصغيرة، و مفاجأة معظم مصنّعي السيّارات قبل أن يستعدّوا لذلك.
·         استيلاء التكنولوجيا الجديدة على الخدمة التي كان منتجك يقدّمها، مثلما فعلت خدمة الهاتف الجوّال بهواتف الخطوط الثابتة.
·         تدمير أو زعزعة مكانة علامتك التجارية بسبب غلطة واحدة قد تبدو صغيرة في البداية.
·         منافسٌ ابتكاري يغيّر قواعد اللعبة و يضع نموذج عملك في المتحف. مثلما فعلت موجة "ول مارت" التي جرفت أمامها ما كان سائداً من متاجر الأقسام المتوسطة midrange department stores.
و خلف كل تلك المخاطر يوجد وجهٌ مشرق، و من دون الرغبة و المقدرة على التنقيب عن العوائد الكامنة في المخاطر الإستراتيجية فإنّ الشركات تحكم على أنفسها بالعجز عن النجاح. و في هذا السياق يمكنك التأمل في هذه الأمثلة التي لا يكتفي أصحابها بالتعامل مع المخاطر الإستراتيجية و إنّما يقدمون عليها إقداماً.

من صور الإقدام على المخاطر الإستراتيجيّة:
- الإقدام الذكيّ المتسلسل نحو فرص النمو:

في أواسط التسعينات كانت " كاردينال هيلث " شركةً واحدةً من المتنافسين العديدين في مجال توزيع المنتجات الدوائية ذي الهامش الربحيّ الضيّق و المتراجع. و في سعيها وراء طرقٍ جديدة للنموّ بدأت الشركة بتقديم عروضٍ جديدة في مجالات السوق المجاورة مباشرةً لمجالها الراهن.

أولاً دخلت الشركة سلسلةً من الأعمال الجديدة المجاورة مثل إدارة الصيدليات، و صرف الأدوية المؤتمت في المستشفيات. و بعد نجاحها في تلك المجالات أضافت " كاردينال هيلث" الخدمات الأعلى قيمةً في مجال تأمين العمالة و الاستشارات الصيدلانية. و لمصنّعي الأدوية بدأت الشركة بتغليف الأدوية ثم انتقلت إلى مقاولة التصنيع و التحضير
لقد تحرّكت " كاردينال هيلث" بملء اختيارها، موظفةً أصولها و علاقاتها مع الزبائن لاكتساب الخبرة و المعرفة و السمعة الضرورية للقيام بالخطوة التالية و هي واثقة بنفسها و زبائنها واثقون بها أيضاً.

إن الإقدام المتسلسل نحو أسواق جديدة أكبر جعل الشركة المتصدّر غير المنازع للأداء المالي في قطاعها. بترسيخ وجودها بحذرٍ و أناة في نقاط منتقاة على امتداد سلسلة القيمة تمكّنت " كاردينال هيلث" من توزيع مخاطرها و غدت قادرةً على استدامة نموّها.

-
استخدام معلومات الملكيّة لتخفيض مخاطرة كلّ مشروع جديد:

في البداية كان عمل شركة " جونسون كونترولز" مرتكزاً على المنتجات المسلّعة commoditized products

(
المنتج المسلّّع هو المنتج الذي لا يعتمدُ قرار شراءه في السوق على انتمائه لعلامة تجارية معيّنة) مثل بطاريات السيارات، و إطارات مقاعد السيارات، و هكذا كانت الشركة عرضةً لمنافساتٍ سعريّة حادة.

و لكن خلال الخمس عشرة سنة الماضية طوّرت الشركة نطاقاً واسعاً من مهارات التجميع assembly، المكاملة integration، و البحث و التطوير R&D ممّا جعلها تتميّز عن المنافسين. و الآن تصمّم الشركة و تجمّع مقصورات السيارات كاملةً، و مختبرها يجري أبحاثاً على تفاعل الزبون مع المحتويات الداخلية للسيارة أكثرَ من أيّ مصنّعٍ للسيّارات.
بسبب مقدراتها الفريدة تمتلك شركة "جونسون كونترولز " الآن اتصالاً مستمراً مع مجموعات التصميم و الهندسة كاملةً لدى مصنّع السيارات. و يغطّي تدخّل الشركة عملية التخطيط للسيارة الجديدة، و تجميع و توليد معلومات الملكية proprietary information التي تتيح فهماً عميقاً لاحتياجات مصنّع السيارات و القيام بنشاطات لا يستطيع مزوّدو القطع التقليديّون مضاهاتها. إنّ هذا يجعل شركة جونسون كونترولز المزوّد المفضّل لدى المصنّعين، و هو ما يتيح ثباتاً أكثر لعروض الأسعار، و المضيّ في التخطيط بثقة. إن عوائد الشركة المذكورة، و أرباحها، و قيمة أسهمها السوقية تبدي جميعها معدّل نموّ سنويّ مركّب compound annual growth rate لا يقلّ عن عشرة في المئة خلال كلٍّ من سنوات العقد الماضي.

-
مثال آخر:
في عالم المواد الاستهلاكية، حيث يمكن لتفضيلات الزبائن أن تتغير تغيراً مفاجئاً و سريعاً نرى شركة تسوتايا اليابانية العاملة في مبيعات الفيديو و الموسيقى بالتجزئة تجري تحليلاً مستمرّاً لانماط إنفاق زبائنها، باستخدام معطيات نقاط البيع، و المسوح surveys، و قواعد البيانات، و هكذا تستطيع تسوتايا تحديد تفضيلات عائلةٍ معينة أو زبون معيّن، الأمر الذي يتيح لها استباق اتجاهات التغيير في الأذواق. لقد تمكّنت هذه الشركة من التفوق بنموها على نمو المنافسين تفوّقاً واضحاً نتيجة توليدها أفضل معلومات الملكية في صناعتها، بل إنها تبيع معطياتها لشركات أخرى ترغب في تحسين متابعتها للتحولات في تفضيلات الزبائن.
- مضاعفة الرهان لتقليص مخاطرة الاندثار:
عندما تتنافس نسخٌ متعددة لتكنولوجيا معينة على موقع المعيار السائد فإنه يكاد يستحيل توقّع الفائزة منها، و هكذا يلجأ المديرون الأذكياء إلى مضاعفة رهاناتهم. إنّ المراهنة على كلٍ من نظام Windows و نظام OS\2 أتاحت لمايكروسوفت أن تكون هي الرابحة أيّا ما كان النظام السائد في النهاية. و على المنوال ذاته نرى شركة إنتل تضاعف رهانها بكلٍ من التصميمين البنيويين لرقاقات RISC و CISC و تضمن بذلك تفوّقها في مجال رقاقات أشباه الموصّلات.

-
مثال سلبي:
شركة بارنز آند نوبلز فشلت في التبكير في طرح رهانها أو طرحه بالحجم الكبير الكافي في استخدام الإنترنت كقناةٍ لبيع الكتب إلى جانب المتاجر التقليدية، و هكذا فتحت انطلاقتها البطيئة لشركة أمازون البوّابة للسيطرة على مبيعات الكتب عبر الإنترنت ثم مبيعات الوسائط المختلفة.
- تقاسم الرغيف... تعديل مزيج التنافس و التعاون لتجنّب نطاقات اللاربح:

 
عندما تنضج صناعة معينة و تصبح عروض الشركات المختلفة شديدة التشابه، فإن تلك الصناعة تشرف على خطر التحوّل إلى منطقةٍ لا ربحية nonprofit zone. و أكثر التدابير فاعليةً في مواجهة مخاطر الدورة الاقتصادية لصناعةٍ معينة هو تعزيز التعاون بين الشركات المتأثرة. يمكن لهذا التعاون أن يأخذ أشكالاً عديدة، منها: مشاركة وظائف المكتب الخلفي back office functions ( وظائف المكتب الخلفي هي تلك الجاريةُ بعيداً عن الاتصال المباشر مع الجمهور)، مشاركة الأصول أو اتفاقيات الإنتاج المشترك، التعاون في مجال الصيانة و التصليح، تنسيق الشراء و عمليات سلسلة التزويد،  مشاركة الأبحاث و التطوير، و التسويق تعاونياً.
معظم الشركات تبدأ بالتعاون متأخرةً جداً – خمس سنوات أو عشراً- و أمّا عندما تكون الصناعة جديدة و نامية – وهوامش الأرباح دسمة- فإنه يمكن صياغة مزيج التنافس/ التعاون بنسبة 100/0، و لا تأخذ هذه النسبة بالتحوّل إلاّ بعد أن يبدأ التآكل في هوامش الربح، مثلما يحدث في صناعات الطائرات، المرافق، الفولاذ، الكمبيوتر، و رقاقات الذاكرة. و التحدّي المطلوب هو استباق التهديد و الاستعداد له بتهيئة أرضية التعاون مسبقاً.

شركة Airbus الفرنسية هي مثالٌ بارزٌ يخرج عن قاعدة الانتظار و التأخر. في مطلع سبعينات القرن الماضي كانت مراحل الهبوط في الدورة الاقتصادية لصناعة الطيران لا تحتمل استمرار العديد من مصنّعي الطائرات المنفردين في أوربا. و هكذا شُكِّل تحالف يتيح مشاركة الموارد، و إلغاء التكرارات، و يتيح للجميع البقاء في دائرة المنافسة.
- مساعدة الزبائن على ضبط مخاطرهم:

التعامل مع حادث سيارة هو أكثر تجارب تملّك السيارة استنزافاً للوقت و للأعصاب. في الولايات المتحدة نمت شركة تأمين بروغريسيف إنشورانس لتصبح ثالث أكبر مزوّد تأمين على السيارات في أمريكا ليس بسبب أن تغطيتها مختلفة و لكن بسبب الطريقة التي تساعد بها الزبائن على السيطرة على مخاطر القلق و استنزاف الوقت.

أنشأت هذه الشركة خدمةَ إدارة مطالبات تتسم بالسرعة الفائقة و الشمولية، تضمّ أسطولاً من مركبات الاستجابة الفورية المجهّزة بحواسيب محمولة، و برمجيات ذكية، و وصولٍ لاسلكي إلى قسم المطالبات في الشركة. و هكذا يمكن أن يصل مقوّم الأضرار إلى موقع الحادث في غضون ساعة ليتحقق من الأضرار و يثبّت الإصلاحات اللازمة و يصدر الشيك في الموقع.

و في ربيع 2003 قام مزوّد التأمين هذا بدفع مشروعه قدماً فأطلق مراكز خدمة المطالبات المسماة ( مراكز التوقّف مرة واحدة ) التي تتيح للزبون أن يدير عملية التصليح بنفسه أو أن يدع ممثّل الشركة يقوم بذلك. و إذا اختار الزبون الخيار الأخير فإنه سيجد نفسه مرتاحاً من كثيرٍ من إجراءات التامين الروتينية المضجرة الشائعة لدى مزوّدي التأمين الآخرين. لقد ازدهرت أعمال هذه الشركة لأنها خلّصت الزبائن من مخاطرهم.
تسعى إدارة المخاطر التقليدية إلى احتواء الخسائر، و لكن هذا هو نصف معادلة النمو و حسب. إن اعتناق المخاطرة الإستراتيجية – كما رأينا في الشركات المذكورة آنفاً- قد حسّن فرص نموّها و قلّص في الوقت ذاته من تقلّب وضعها الاقتصادي.

و مثلما أن البنوك خلال الأعوام الخمس عشرة الماضية قامت بتطوير أدوات لإدارة مخاطر الائتمان، فإن أدواتٍ أخرى لتناول المخاطر الإستراتيجية يتم ابتكارها و يتزايد انتشارها في هذه الأيام. و حتى مجالات العمل اللامحسوسة نسبياً - مثل التعليم branding - أصبح من الممكن تحليلها تحليلاً صارماً، ليصبح بإمكان المديرين اقتحام فرص النمو بمزيد من الإقدام و مزيدٍ من التبصّر.